هل تعني الوحدة الإسلاميَّة إلغاء الاختلافات بين المذاهب؟
السؤال: كيف يمكن الحديث عن الوحدة بين المذاهب الإسلاميَّة في ظلِّ وجود اختلافاتٍ جوهريَّةٍ في العقائد والأحكام الشرعيَّة؟ ألا يُعتبر هذا دعوة للتنازل عن خصوصيات كلِّ مذهبٍ والتخلي عن الحقيقة؟
الإجابة:
هذا الإشكال يعكس تصوّراً خاطئاً عن مفهوم الوحدة الإسلاميّة، حيث يُفترض أنّ الوحدة تعني إلغاء الاختلافات المذهبيّة أو التنازل عن الخصوصيّات العقائديّة لكلّ مذهب. بينما الواقع أنّ الوحدة الإسلاميّة تُبنى على المشترك الإسلاميّ الذي يجمع المسلمين كالإيمان بالله ورسوله والقرآن الكريم، دون أن تعني دمج المذاهب أو تذويبها في بعضها.
فالوحدة ليست مرادفةً للتطابق، بل هي مشروع تعايشٍ وتعاونٍ على أساس القيم الإسلاميّة العليا والمصالح المشتركة للأمّة. واختلافات المذاهب أمرٌ واقع، لكنّها لا تعني بالضرورة الصدام أو التنازع، بل يمكن أن تكون مجالاً للحوار العلميّ والتكامل الفكريّ.
فمن الناحية السياسيّة والاجتماعيّة، الوحدة الإسلامية ضروريّة لمواجهة التحدّيات التي تستهدف الأمّة بجميع مكوّناتها، فالأعداء يدركون أنّ تمزيق الأمّة يبدأ من استغلال هذه الاختلافات وإذكاء النعرات الطائفيّة، ومن هنا، الوحدة تعني تنحية هذه النزاعات جانباً، والاتّفاق على القضايا التي تخدم المصلحة العامّة للإسلام والمسلمين، مثل التصدّي للظلم والاستعمار، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعيّة.
أمّا من الناحية الفكريّة، فإنّ الاختلافات المذهبيّة يمكن أن تُناقش في إطار علميّ ومنهجيّ، حيث يتمّ الرجوع إلى البرهان والدليل لتحديد الحقائق.
والإسلام دين يكرّم العقل ويحثّ على البحث عن الحقيقة، لكنّه في الوقت نفسه يدعو إلى التسامح وقبول التعدّدية ضمن الإطار العام للدين.
إذاً، الوحدة الإسلاميّة ليست تنازلاً عن الحقائق، وإنّما هي دعوةٌ إلى تجاوز العصبيّات المذهبيّة والعمل المشترك لتحقيق أهداف الأمّة، دون أن يُفرض على أيّ طرف التخلي عن قناعاته أو تراثه الفكريّ. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
وقد فصلنا ذلك في إجابة سابقة بعنوان: (إسلام بلا مذاهب)، يمكن مراجعتها على موقعنا.
اترك تعليق