كيف يختلف المنظور اللّاهوتيّ بين الأصوليَّة اليهوديَّة والصهيونيَّة؟

السؤال: ما هو الفرق بين الأصوليَّة اليهوديَّة والأصوليَّة الصهيونيَّة من حيث المنظور اللّاهوتيّ؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

 الإجابة:

مصطلح (الأصوليَّة) يشير عادةً إلى حالةٍ من التديّن المتشدّد والمُتصلب، ويتّسع ليشمل كلّ جماعةٍ تتبنّى أدبيّاتٍ صارمةً ومتزمّتة. وعليه، فإنّ الجماعة الأصوليَّة هي التي تجعل معتقداتها الخاصّة معيارًا للحقيقة وأساسًا لمواقفها السياسيّة والاجتماعيّة. ولهذا السبب، ارتبط مفهوم الأصوليَّة بالتطرّف بمختلف أشكاله وتمظهراته، وأصبح يُستخدم لوصف أيّ تفسيرٍ حرفيٍّ للنصوص الدينيّة.

وقد بدأ هذا المصطلح في التبلور مع الأصوليَّة المسيحيّة التي دعت إلى الالتزام الصارم بعقائد لاهوتيّةٍ محدّدةٍ في مواجهة اللاهوت الحداثيّ، ثمّ تطورت لاحقًا داخل المجتمع البروتستانتيّ في الولايات المتحدة خلال النصف الأوّل من القرن العشرين. ومع مرور الوقت، توسّع استخدامه ليشمل الأصوليّات اليهوديَّة والإسلاميّة والبوذيّة وغيرها، نظرًا لطبيعته المفهوميّة القابلة للإسقاط على أيّ دينٍ أو جماعة.

ففي (اليهوديَّة)، يمكن العثور على أسسٍ لاهوتيّةٍ تجعلها أصوليًّة بامتياز، إذ تحتوي النصوص المقدَّسة - لا سيّما في التوراة والتلمود - على وصايا تفرض على اليهود حالةً من الانغلاق على الذات والشعور الحادّ بامتلاك الحقيقة الإلهيّة المطلقة، ممّا يؤدّي إلى العزلة والتقوقع خوفًا من المؤثّرات الخارجيّة.

ويتّضح هذا في بعض النصوص التي تحدّد علاقة اليهوديّ بغيره:

مثل ما ورد في التلمود: «يجب ترك غير اليهودي إذا وقع في البئر». وهذا يشير إلى موقفٍ عدائيٍّ تجاه غير اليهود.

ومثل ما جاء في نصٍّ آخر: «إذا أقدم غير اليهوديّ على ضرب يهوديّ، فإنّه يستحقّ القتل، لكن لا يُقتل اليهوديّ إذا قتل غير اليهوديّ. وما يسرقه من غير اليهوديّ يمكنه الاحتفاظ به».

ومثل: «أبناء غير اليهود حيوانات، وبنات غير اليهود قذراتٌ منذ مولدهنَّ» [غرائب التلمود ص27-28].

فهذه النصوص وغيرها تسهم في تعميق العزلة والتطرّف لدى بعض الأوساط اليهوديَّة.

أمّا (الصهيونيَّة)، فهي أقرب إلى الدلالة السياسيّة منها إلى الدلالة اللّاهوتيّة. فبينما تعتمد الأصوليَّة اليهوديَّة التقليديّة على فكرة الانتظار الغيبيّ لتحقيق مملكتهم الموعودة والانتصار على الأمم، فإنّ الأصوليَّة الصهيونيَّة تعتمد على تأويل تلك النصوص بطريقةٍ تجعل اليهود مسؤولين عن تحقيقها بأنفسهم.

وهذا يتجلى في مقولة بن غوريون: (على اليهوديّ - من الآن فصاعدًا- ألَّا ينتظر التدخّل الإلهيّ لتحديد مصيره، بل عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعيّة العاديّة مثل الفانتوم والنابالم، فالجيش الإسرائيليّ هو خير مفسّرٍ للتوراة).

وبهذا، تتحوّل الأصوليَّة من بُعدها الأسطوريّ إلى أيديولوجيا سياسيّةٍ تستغلّ الأساطير الدينيّة لفرض الهيمنة على الآخرين، وهو ما يفسّر السلوك العدوانيّ الذي تمارسه دويلة الاحتلال الغاصب.

وللتوسّع في دراسة هذا المصطلح وفهم أبعاده التاريخيّة واللّاهوتيّة، يُنصح بالرجوع إلى كتاب [الأصوليَّة: نماذج مختارة من اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلاميَّة]، تأليف عامر عبد زيد كاظم الوائليّ، الصادر عن المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة.