هل تبرَّأ أمير المؤمنين من الغلاة؟
السؤال: هل أنَّ الإمام عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «اللَّهُم إنّي بريءٌ من الغلاة، كبراءة عيسى بن مريم من النصارى»؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية، لا بأس أنْ نُبيِّن أنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً، وفي مقدِّمتهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، قد تبرَّؤوا من الغلو والغُلاة، وقد ثبت ذلك في رواياتٍ كثيرة، كما أنَّ أعلام الإماميَّة ساروا على نهج الأئمَّة (عليهم السلام) في هذا الموقف، فكانوا على ذات الجادَّة في النهي عن الغلو ورفضه، من ذلك:
1ـ ما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبي هاشم الجعفريّ قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الغلاة والمفوضة فقال: «الغلاة كفَّار، والمفوِّضة مشركون، من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوَّجهم أو تزوَّج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدَّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمةٍ خرج من ولاية الله (عزَّ وجلَّ) وولاية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله ) وولايتنا أهل البيت» [عيون أخبار الرضا ج2 ص219].
2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده عن علي بن سالم، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (عليهما السلام): «أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أنْ يجلس إلى غالٍ فيستمع إلى حديثه ويصدِّقه على قوله، إنَّ أبي حدَّثني، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام) أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: صنفان من أمتي لا نصيب لهما في الإسلام: الغلاة والقدريَّة» [الخصال ص72].
3ـ وما رواه الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده عن الفضيل بن يسار، قال: قال الصادق (عليه السلام): «احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم، فإنَّ الغلاة شر خلق الله، يصغِّرون عظمة الله، ويدَّعون الربوبية لعباد الله، والله إنَّ الغلاة شرٌ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا» [الأمالي ص650]. إلى غيرها من الروايات الدالَّة على ذمِّ الغلو والغُلاة، كما لا يخفى على المتتبع لأخبار العترة الطَّاهرة (عليهم السلام).
وأمَّا كلمات الأعلام فنكتفي بكلام الشيخين الجليلين الصدوق والمفيد (طاب ثراهما) رعاية للاختصار وخشية التطويل.
قال الشيخ الصدوق (طاب ثراه): (اعتقادنا في الغلاة والمفوِّضة أنهم كفَّار بالله تعالى، وأنهم أشر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلَّة، وأنه ما صغَّر الله (جلَّ جلاله) تصغيرهم شيء) [الاعتقادات ص97].
وقال الشيخ المفيد (طاب ثراه): (والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمَّة من ذريته (عليهم السلام) إلى الألوهية والنبوَّة، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد، وخرجوا عن القصد، وهم ضلَّالٌ كفَّارٌ، حكم فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمَّة (عليهم السلام) عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام) [تصحيح اعتقادات الإمامية ص131]. إلى غير ذلك من كلمات الأعلام في هذا المجال.
إذا بان هذا ـ عزيزي السائل ـ فنقول: نعم، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه تبرَّأ من الغُلاة، من ذلك.
1ـ ما رواه الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسندٍ قريب من الصحة عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللَّهُم إني بريءٌ من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللَّهُم أخذلهم أبداً، ولا تنصر منهم أحداً» [الأمالي ص650، وانظر أيضاً: مناقب آل أبي طالب ج1 ص226، وغيرها].
وقريبٌ من ذلك ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «اللَّهُم من زعم أنَّنا أربابٌ فنحن إليك منه براء، ومن زعم أنَّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن إليك منه براءٌ كبراءة عيسى (عليه السلام) من النصارى» [الاعتقادات ص100].
2ـ وما رواه الشيخ الكشيّ بالإسناد عن عبد الله بن سنان، قال: حدَّثني أبي، عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنَّ عبد الله بن سبأ كان يدَّعي النبوَّة ويزعم أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الله (تعالى عن ذلك) فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدعاه وسأله؟ فأقرَّ بذلك وقال نعم أنت هو، وقد كان ألقي في روعي أنَّك أنت الله وأنّي نبيٌّ! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ويلك، قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا ثكلتك أمُّك وتُبْ. فأبى، فحبسه أياماً فلم يتب، فأحرقه بالنار وقال: إنَّ الشيطان استهواه، فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك» [اختيار معرفة الرجال ج1 ص323]. إلى غير ذلك من الأخبار الدالَّة على براءة أمير المؤمنين (عليه السلام) من الغلو والغلاة، كما لا يخفى على المتتبع.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تبرَّأ من الغلاة، كما تبرَّأ عيسى بن مريم (عليه السلام) من غلاة النصارى، كما أوضحنا ذلك .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق