هل صح حديث: «مثل المشتاق مثل الغريق»؟

السؤال: رُوِي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «مثل المشتاق مثل الغريق، ليس له همةٌ إلَّا خلاصه، وقد نسي كلَّ شيء دونه»، هل هذا الحديث صحيح؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم ـ عزيزي السائل ـ بأنَّ هذا الكلام مقطعٌ من حديث "مصباح الشريعة" المنسوب إلى الإمام جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام)، إليك تمام الحديث بتحقيق السيِّد عبد الجواد الحسينيّ.

قال الصادق (عليه السلام): «المشتاق لا يشتهي طعاماً، ولا يلتذ بشراب، ولا يستطيب رقاداً، ولا يأنس حميماً، ولا يأوي داراً، ولا يسكن عمراناً، ولا يلبس ليناً، ولا يقر قراراً، ويعبد الله ليلاً ونهاراً راجياً بأنْ يصل إلى ما يشتاق إليه، ويناجيه بلسان الشوق مُعبِّراً عما في سريرته، كما أخبر الله عن موسى بن عمران (عليه السلام) في ميعاد ربه بقوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:84] وفسَّر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأخبر عن حاله، أنه ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئاً من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوماً شوقاً إلى ربّه، فإذا دخلت ميدان الشوق فكبّر على نفسك ومرادك، وفارق كلَّ محبوبٍ من الدنيا، وودع كلَّ مألوفٍ منها، واستعن بما اشتقت إليه، وأحرم عن سوى معشوقك، ولبِّ بين حياتك وموتك لبيَّك اللَّهم لبيك، وأعظم الله أجرك، ومثل المشتاق مثل الغريق ليس له همة إلَّا خلاصه، وقد نسي كلَّ شيءٍ دونه» [مصباح الشريعة ص173، وعنه بحار الأنوار ج67 ص24].

إذا بان هذا فاعلم بأنَّ هذا الكتاب ـ مصباح الشريعة ـ من الكتب المختلف في نسبتها إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، إذْ يرى بعض الأعلام أنَّه من تأليف الإمام (عليه السلام) كالسيِّد رضي الدين علي بن طاووس، وغيره من الأعلام.

بينما يرى البعض الآخر منهم كالعلَّامة المجلسيّ أنه من تأليف شقيق البلخي الصوفيّ، وللمزيد عن ذلك يُمكن مراجعة ما كتبه بعض الباحثين في دراسته عن الكتاب، تحت عنوان: (دراسةٌ حول كتاب مصباح الشريعة).

بناءً على ذلك، تكون صحة الحديث المذكور رهن القبول بكونه من كتب ومؤلَّفات الإمام (عليه السلام)، كما هو واضح.

نعم، نُقل عن العلَّامة صاحب البحار أنَّه يقول بأنَّ أحاديثه التي أخرجها في كتاب البحار موافقةٌ لما روي عن الأئمَّة (عليهم السلام).

قال السيِّد عبد الجواد الحسينيّ: (في إحدى مخطوطات "مصباح الشريعة" التي تعود إلى منتصف القرن الحادي عشر الهجريّ، وهي كما يبدو لأحد تلامذة الشيخ المجلسيّ جاء في هامشها تعليق كتب سنة (113١هج).‏ «أقول وأنا الفقير إلى رحمة ربه الغني محمَّد محسن الجيليّ: أنه قد سألت ذات يوم شيخنا وأستاذنا ومولانا محمَّد باقر المجلسيّ (عليه الرحمة) عن معنى كلامٍ ذُكِر في باب المائة من هذا الكتاب، فقال (طاب ثراه): هذا من جملة روايات شقيق البلخيّ، فعرضت عليه (قدِّس سرُّه) أنكم رويتم عن هذا الكتاب في بحار الأنوار؟ فقال: نعم، ما كان منه موافقاً لروايات أُخر رويت عن أئمَّتنا (عليهم السلام) نقلناه منه») [مصباح الشريعة ص8 المقدمة].

هذا، مضافاً إلى أنَّ الحديث المذكور لا يتناول حكماً شرعياً حتَّى يصح التشدُّد فيه، وإنما هو ناظرٌ إلى بعض النكات الأخلاقيَّة المتعلِّقة بأمر الشوق إلى الله تعالى.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ صحَّة الرواية والقبول بها متوقفٌ على الاطمئنان بنسبة الكتاب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) أو الاكتفاء بما حُكي عن العلَّامة صاحب البحار (طاب ثراه)، كما أوضحنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.