مغالطة إله الفجوات

السؤال: إذا لم يستطع العلم تفسير ظاهرةٍ جيولوجيّةٍ أو تكوينيّةٍ حالياً، يدّعي المسلم أنَّ الله هو الفاعل، لكن هذا النهج يضع حَدًّا لدليل وجود الله في منطقةٍ واحدةٍ، بينما يفسّر باقي الظواهر طَبيعِيًّا، مما يجعل الأسباب الطبيعيّة كافيةً وجوديًّا؛ بهذا يقع المسلم في مغالطة «إله الفجوات»: يرى فجوةً معرفيّةً (عدم معرفة السبب الطبيعيّ)، فيحوّلها إلى فجوةٍ وجوديّة، ويقول إنَّ الله يملأها، لكن الدهريّ يرفض هذا المنطق، ويؤكّد أنَّ الجهل بالسبب الطبيعيّ لا يعني عدم وجوده، الدهريّون يرون أنَّ أي فجوةٍ معرفيّةٍ ستُسدّ مستقبلاً بالتقدّم العلمي، ولا يقبلون أنْ تكون دليلاً على وجود الله.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

تطرّقنا لهذه الشبهة وأمثالها في أجوبةٍ سابقة، مثل الإجابة التي تحمل عنوان: (هل تقدّم العلم يهدّد الدين؟)، (هل الدين ضرورةٌ للإنسان المعاصر؟)، (هل العلوم الطبيعيّة لها علاقةٌ بالإيمان والإلحاد؟)، (هل المنهج المادّي هو المنهج الوحيد؟)، (كيف نثبت وجود الله علميًّا؟)، (هل معرفة الأسباب تلغي الإيمان بالله تعالى؟)، وغيرها من الأجوبة؛ ولذا سوف نعمل على تركيز الإجابة في نقاطٍ محدّدة:

أوّلًا: افتراض التعارض بين العلم والدين ينشأ غالبًا عن سوء فهمٍ لدوريهما ومجال عمليهما، فالدين في جوهره يهتم بتوجيه الإنسان نحو حياةٍ متوازنةٍ معنويّةٍ وماديّة، بينما ينصبّ تركيز العلم على تفسير الظواهر الطبيعيّة ووضع نظريّاتٍ لفهمها؛ فالاثنان لا يتقاطعان في موضوعاتهما ويختلفان في غاياتهما، فالعلم يفسّر الكيفيّة التي تعمل بها الطبيعة، بينما يتناول الإيمان بالله الغاية النهائيّة منها.

وبعبارةٍ أخرى: الأسباب الطبيعيّة تفسّر (كيف) تحدث الظواهر، بينما الإيمان بالله يوضّح (من أين) تأتي هذه الظواهر و(لماذا).

على سبيل المثال، العلم يشرح كيف تحدث الظواهر الجيولوجيّة من خلال الصفائح التكتونيّة، لكن السؤال: (لماذا توجد قوانين تنظّم هذه الظواهر؟ وما الغاية منها؟)، هو سؤالٌ يتجاوز الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة.

ثانيًا: الإيمان بالله كمسبّبٍ أوّل لا ينفي وجود الأسباب الطبيعيّة، وفي المقابل وجود الأسباب الطبيعيّة لا يكون مفهومًا ما لم يكن هناك إلهٌ أوجدها وأقامها من أجل حكمةٍ محدّدة، يقول الفيلسوف ريتشارد سوينبرن - في مقام توضيح ما يقوم به الدين تكميلاً للعلم -: (عندما أتحدّث عن الإله، فإنني لا أطرح إلهاً ليسدّ الثغرات التي لم يُجِب عنها العلم حتى الآن، فأنا لا أنكر قدرة العلم على استكمال التفسير. ولكنني أطرح الوجود الإلهيّ لأفسّر لماذا صار العالم قادرًا على التفسير) [ينظر: خرافة الإلحاد ص70].

من البديهيّات المنطقيّة أنّ سلسلة الأسباب تحتاج إلى مبدأٍ أوّل، وهذه ليست فجوةً معرفيّةً بقدر ما هي ضرورة عقليّة لتفسير وجود الكون، وبالتالي (إله الفجوات) مجرّد مغالطةٍ مفضوحةٍ تتبخّر لأدنى التفاتة.

ثالثًا: مهما تمكّن العلم من تفسير جميع الظواهر يظل عاجزًا عن تقديم إجاباتٍ عن الأسئلة الوجوديّة الكبرى: (لماذا نحن هنا؟ ما الغاية من حياتنا؟ ومن أين جاء كلّ شيء؟).

يحدّد السير بيتر مداور - الحائز على جائزة نوبل - قاعدةً ذهبيّةً في كتابه "نصيحة لعالمٍ مبتدئ"، فيقول: (لا شيء يفقد الثقة في العالم قدر تصريحه بأنّ العلم يعلم أو سيعلم قريبًا الإجابة عن كلّ الأسئلة التي تستحق أنْ تُسأل، وإنّ الأسئلة التي لا توجد لها إجابةٌ علميّةٌ لا تستحق أن تُسأل وتُعتبر علم كذب، ولا يسألها إلّا الحمقى، ولا يحاول الإجابة عنها إلّا السذّج)، ويضيف: (لا شكّ أنّ للعلم حدودًا لا يستطيع تجاوزها، فالعلم لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة البديهيّة التي يطرحها علينا أطفالنا: كيف بدأ هذا الوجود؟ كيف جئنا هنا؟ ما الغرض من حياتنا؟ وغيرها كثير، إنّ هذه الأسئلة ليس لها إجابة إلّا عند الفلاسفة ورجال الدين) [ينظر: خرافة الإلحاد ص60].

رابعًا: الإسلام - كدينٍ خاتم - لا يعارض التقدّم العلميّ، بل يشجّع عليه، والقرآن في كثيرٍ من آياته يشير إلى أهميّة البرهان والعقل والتفكّر:

ففي قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، حثّ على التفكير القائم على البرهان والمنطق.

وفي قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، اعترافٌ بقيمة العلم وأهله.

وفي قوله: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد: 17]، دعوةٌ للتعقّل في فهم الكون.

فالإسلام يفتح الباب أمام البحث العلميّ دون قيود، ويدعو الإنسان لاستكشاف الطبيعة وقوانينها؛ لأنّ ذلك يوسّع آفاقه ويجعله أكثر إدراكًا لعظمة الله ونظامه الذي أقامه في الكون؛ وعليه: الدين لا يحدّ من البحث العلميّ، بل يشجّع على المضيّ فيه بلا حدود، كما قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76].

وفي المحصّلة، العلم والدين ليسا في صراع، بل يكمل كلٌّ منهما الآخر. فالعلم يفسّر (كيف) تعمل الظواهر، بينما الدين يجيب عن (لماذا) توجد هذه الظواهر وما الغاية منها، والإيمان بالله ليس حلًّا لمعضلةٍ معرفيّةٍ، بل هو إطارٌ وجوديٌّ يضفي معنىً على الكون والحياة.