دواعي الحاجة إلى الإمام في كلِّ زمان
السؤال: إذا كان الله تعالى قد قال {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: ٣٨]، وكانت الأمَّة مجتمعة على أنَّ النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قد بلَّغ الرسالة إلى الكافَّة وأدّى فيها الأمانة وبيَّن لجميع الأمَّة، فما الحاجة بعد ذلك إلى إمام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيّدك الله – أنَّ أمَّة الثقلين لم تستغنِ بالكتاب في رفع الخلاف عن بيانات السُّنَّة المحمَّديَّة، كما في قوله: {وما أنزَلنا عليكَ الكتابَ إلّا لتُبيِّنَ لهُم الذي اختلفوا فيهِ وهُدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون} [النحل: ٦٤]. وكما أنَّ السُّنَّة المحمَّديَّة لم تستغنِ الأمَّة بها في رفع الاختلاف بعد نبيِّها عن أئمَّةٍ راشدين هداةٍ معصومين، أمر الله تعالى بالرَّد إليهم ليرشدوا ضالَّها ويعلِّموا جاهلها ويزيلوا الاختلاف من بينها، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: ٣٨].
روى الكلينيُّ بسنده عن أبي عبد الله (ع) – في حديثٍ طويلٍ – قال عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}، فردَّ الأمر – أمر النَّاس – إلى أولي الأمر منهم، الذين أمر الله بطاعتهم والردّ إليهم [الكافي ج١ ص٢٩٥]. وقد جاء في مناظرة هشام بن الحكم مع الشاميّ أنَّه قال له:
(.. يا هذا أربُّك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم؟ فقال الشاميّ: بل ربِّي أنظر لخلقه، قال: ففعل بنظره لهم ماذا؟ قال: أقام لهم حجَّةً ودليلاً كيلا يتشتَّتوا أو يختلفوا، يتألَّفهم ويقيم أودهم ويخبرهم بفرض ربِّهم. قال: فمن هو؟ قال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
قال هشام: فبعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
قال: الكتاب والسُّنَّة.
قال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسُّنَّة في رفع الاختلاف عنَّا؟ قال الشاميّ: نعم.
قال: فلم اختلفنا أنا وأنت وصرتَ إلينا من الشام في مخالفتنا إيَّاك؟ قال: فسكت الشاميّ.
فقال أبو عبد الله (ع) للشاميّ: ما لك لا تتكلَّم؟
قال الشاميّ: إنْ قلتُ: لم نختلف كذبتُ، وإنْ قلتُ: إنَّ الكتاب والسُّنَّة يرفعان عنَّا الاختلاف أبطلْتُ؛ لأنَّهما يحتملان الوجوه، وإنْ قلتُ: قد اختلفنا وكلّ واحدٍ منَّا يدَّعي الحقَّ فلم ينفعنا إذن الكتاب والسُّنَّة، إلَّا أنَّ لي عليه هذه الحجَّة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سله تجده مليًّا.
فقال الشاميّ: يا هذا من أنظر للخلق أربُّهم أو أنفسهم؟ فقال هشام: ربُّهم أنظر لهم منهم لأنفسهم.
فقال الشاميّ: فهل أقام من يجمع لهم كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقِّهم من باطلهم؟
قال هشام: في وقت رسول الله (ص) أو الساعة؟
قال الشاميّ: في وقت رسول الله والساعة من؟
فقال هشام: هذا القاعد الذي تُشدُّ إليه الرِّحال، ويخبرنا بأخبار السَّماء والأرض وراثةً عن أبٍ عن جدٍّ.
قال الشاميّ: فكيف لي أن أعلم ذلك؟
قال هشام: سله عمَّا بدا لك. قال الشاميّ: قطعت عذري ..) [الكافي ج١ ص١٧٣، الإرشاد ج٢ ص١٩٦].
بعد أن اتضح لك عدم الاستغناء بالكتاب والسُّنَّة في رفع الاختلاف بين الأمَّة، فلابدَّ من إمامٍ حافظٍ للشرع في كلِّ عصرٍ يرفع عن الأمَّة الاختلاف ويكشف معاني الكتاب والسُّنَّة، كما أشار لها علماء الفرقة المحقَّة [الألفين ص٧٠، ١٧٢، ١٧٤، كشف المراد ص٤٩٣].
أقول: لم تقتصر الحاجة للإمام في رفع الاختلاف فقط، بل توجد أسبابٌ أخر نذكر منها:
١ ـ الحاجة للإمام لكونه أمانًا لأهل الأرض:
بحسب مقتضى قاعدة (اللطف) التي تنصُّ على ضرورة وجود الإمام في كلِّ زمان، يغذِّي ديمومة بقاء المجتمع البشريّ، كما أُشير له في الحديث المشهور لدى الفريقين: «لا تخلو الأرض من حجَّةٍ لله فيها ظاهرٍ مشهورٍ، أو غائبٍ مستورٍ، لكيلا تبطل حجج الله وبيِّناته». وفي لفظٍ آخر: «لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجَّةٍ إمَّا ظاهرٌ مشهورٌ، وإمَّا خائفٌ مغمورٌ؛ لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته فيكم» [ينظر: أمالي الصدوق ص٢٥٣، كمال الدين ص٢٨٩-٢٩٤، حلية الأولياء ج١ ص٧٩].
وقد روى الصدوق بإسناده إلى جابر بن يزيد الجعفيّ قال: قلتُ لأبي جعفر محمد بن عليّ الباقر (ع): أيُّ شيءٍ يحتاج إلى النبيّ (ص) والإمام؟ فقال: «لبقاء العالم على صلاحه، وذلك إنَّ الله عزَّ وجلَّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}. وقال النبي (ص): النجوم أمانٌ لأهل السماء وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون. يعني بأهل بيته الأئمَّة الذين قرن الله عزَّ وجلَّ طاعتهم بطاعته، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. وهم المعصومون المطهَّرون الذين لا يذنبون ولا يعصون، وهم المؤيَّدون الموفَّقون المسدَّدون، بهم يرزق الله عباده، وبهم يُمهل أهل المعاصي، ولا يعجِّل عليهم بالعقوبة والعذاب. لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم. صلوات الله عليهم أجمعين» [علل الشرايع ج١ ص١٢٥].
٢ ـ الحاجة للإمام لكونه معصومًا:
لا يخفى أنَّ الأمَّة يجوز عليها الخطأ والسهو والنسيان؛ لذا من الضَّروري وجود إمامٍ معصومٍ يحفظ لهم الشرع ويمنع الخلاف ويردع ظلم الظالمين.
فإذا لم يكن معصومًا، لافتقر إلى إمامٍ آخر، وهذا يؤدِّي إلى التسلسل، وهو محال، ولجاز أنٍ يخطئ ويسهو ويفتي بغير الحق جهلًا أو عمدًا، وأنْ يعصي، فإن وجب اتِّباعه، لاختل أمر الشرع، وهو باطلٌ بالإجماع، وبه تنتفي الحاجة الداعية إليه.
قال السيِّد المرتضى: (أنَّ علَّة الحاجة إلى الإمام هي أنْ يكون لطفًا للرعيَّة في الامتناع من القبيح وفعل الواجب، على ما اعتمدناه ونبَّهنا عليه. فلا يخلو من أن تكون علَّة الحاجة إليه ثابتةً فيه أو مرتفعةً عنه، فإن كانت موجودةً فيه، فيجب أنْ يحتاج إلى إمامٍ كما احتيج إليه؛ لأنَّ علَّة الحاجة لا يجوز أنْ تقتضيها في موضعٍ دون آخر؛ لأنَّ ذلك ينقض كونها علَّة، وهذا يقتضي إمَّا الوقوف على إمامٍ ترتفع عنه علَّة الحاجة، أو وجود أئمَّةٍ لا نهاية لهم، وهو محال، فلم يبق بعد هذا إلَّا أنَّ علَّة الحاجة إليه مفقودةٌ فيه، ولن يكون ذلك إلَّا وهو معصومٌ ولا يجوز عليه فعل القبيح) [المقنع في الغيبة ص٣٦].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلًا وآخرًا.
اترك تعليق