المعراج معجزة أم خرافة؟

السؤال: كيف تحولت (خرافة إسراء ومعراج النبيّ) إلى معجزةٍ يفتخر بها المسلمون على مر العصور؟! فالنبيُّ محمدٌ قطع مسافة 500 سنةٍ ضوئيَّةٍ بين الأرض والسماء الأولى 7 x سموات وتساوي (3500 سنة ضوئية) في ليلةٍ واحدة، وهذا يعني أنّ سرعته على حماره (البراق) كانت أسرع من سرعة الضوء بالآلاف المرات، علماً أنَّ سرعة الضوء هي بحدود (300 ألف كيلومتر في الثانية)، وهذا مستحيلٌ علمياً و فيزيائياً و منطقيَّاً، ثم هل هناك من شاهدهُ ليثبت صحة هذه (المعجزة)؟!

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

للإجابة عن هذا السؤال نقدّم بعض الأمور حتّى يتضح الأمر أكثر:

أوّلاً: إنّ أصل حادثة المعراج أمرٌ ثابتٌ عند المسلمين جميعاً؛ لورود التصريح به في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1].

وأمّا كيفيّة هذا الحدث وحقيقته، فهي من الأمور التي تعجز العقول الماديّة عن إدراكها تفصيلاً؛ لأنّها خارجة عن إطار التجربة الحسيّة المعتادة، ولا تُدرك إلّا بتفسيرٍ إلهيّ. فما طرح في السؤال لم يهدف المعراج نفسه بل يهدف النبوّة والقرآن، وهذا ما يجب الانتباه إليه.

وثانياً: إنّ المعراج يُعدّ معجزةً من معجزات النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله)، والمعجزة – كما عرّفها العلماء – هي أمرٌ خارق للعادة، وليست محالاً عقليّاً؛ إذ المحال العقليّ هو ما يقتضي اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وأمّا ما كان مستحيلًا طبيعيًا أو مخالفًا للعادة الجارية بين الناس فلا يُعدّ مستحيلاً في حدّ ذاته، بل هو ممكنٌ بالقدرة الإلهيّة، وبهذا يصحّ وصفه بالمعجزة، فلا يُقاس النبيّ (صلى الله عليه وآله) في رحلته على قوانين الفيزياء العاديّة؛ إذ المعجزة – بحكم تعريفها – ليست خاضعةً لقوانين الطبيعة المعتادة، بل تُعدّ خَرْقًا لها، فتطبيق قوانين الطبيعة المعتادة على حدثٍ خارقٍ، يُشبه إنكار معجزة إحياء الموتى لأنّه مستحيل طبيّاً، فالمهمّ هو إثبات عدم استحالته العقليّة، وهو أمر ظاهر.

وثالثاً: من جهة الإمكان العلميّ والفيزيائيّ، فإنّ مفهوم المعراج بوصفه سفراً في السماوات أو انتقالاً واسع المدى في الفضاء لم يعد – وفق معطيات العلم الحديث – أمراً ممتنعاً أو محالاً، بل أصبح من الوقائع الممكنة والمحقَّقة جزئيّاً. فالسفر الفضائيُّ اليوم صار واقعاً مشهوداً؛ إذ استطاعت مركباتٌ مأهولةٌ اختراق الغلاف الجويّ، وبلغت كواكب كنجم الزهرة مثلاً، وهو ما كان في التصوّرات القديمة – وخصوصاً ضمن النموذج البطلميّ – خرقاً لما سُمّي بالأفلاك الصُّلبة، فبان بطلان ذلك علميّاً.

نعم، وإنْ كان ما تحقّق من السفر الفضائيّ لا يزال محدوداً جداً بالنسبة إلى أبعاد الكون الهائلة، إلّا أنّ وقوع بعضه دليلٌ كافٍ على إمكانه، كما تقرّره القاعدة العقلية القائلة: (إنّ أفضل دليلٍ على الإمكان هو الوقوع).

ورابعاً: إذا وُجدت في هذا النوع من السفر موانع طبيعيّة كالضغط والجاذبيّة وقلّة الأوكسجين وغيرها، فإنّنا لا نُسلّم بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد سلك هذا المسار بقوّته البشريّة الطبيعيّة، بل جرى ذلك بقوّةٍ ما ورائيّةٍ وتسخيرٍ إلهيّ، وبرفقة وسيلةٍ مجهّزةٍ ومهيّأةٍ لذلك، ولا يوجد في ذلك أيّ إشكال عقليّ أو علميّ لا يمكن حلّه. فإنّ عدم توصّل العلم الحديث – وخصوصاً الفيزياء – إلى تفسيرٍ كاملٍ لهذه الظاهرة، لا يدلّ على بطلانها أو استحالتها؛ ذلك لأنّ العلم بطبيعته متغيّرٌ وفي حال تطوّر، ولا يدّعي امتلاك الصورة النهائيّة المطلقة عن الكون وقوانينه. بل إنّ من أبجديات المنهج العلميّ أنّ النظريات قد تُعدَّل أو تُستبدَل كلّما ظهرت معطياتٌ جديدةٌ، كما نرى بوضوحٍ في العلوم الطبيعية والطبّ، حيث تُبطِل نظريّة ما سبقها عند اكتشافٍ أدقّ، أو تُوسَّع لتشمل ظواهر كانت مستثناة منها.

وعليه، فإنّ عدم إدراكنا العلمي الحالي لحقيقة المعراج أو كيفيّة وقوعه، أو عدم القدرة على تفسيره ضمن القوانين الفيزيائية الراهنة، لا يُعدّ دليلاً على استحالته أو بطلانه. بل ربّما يأتي زمانٌ تُكتشَف فيه نظريّاتٌ أعمق وأشمل تُمكّن من فهم هذا الحدث الفريد على نحوٍ علميّ، فينكشف حينها وجه الإعجاز بمصطلحات العلم نفسه، كما وقع مرارًا في التاريخ حين أدرك العلم الحديث بعد قرون صدق إشاراتٍ قرآنيّة أو نبويّة كانت تُعدّ مستغربة في زمنها.

بل يمكن الذهاب إلى أبعد من مجرّد إثبات الإمكان العقليّ للمعراج، إلى تقديم تفسيرٍ علميٍّ معقولٍ لهذا الحدث الجليل دون الحاجة إلى خرق القوانين الفيزيائيّة المعروفة، وذلك بالاستناد إلى نظرية (الثقب الدوديّ)، وهي فرضيةٌ فيزيائيّةٌ رياضيّةٌ تستند إلى حلول معادلات النسبيّة العامّة لآينشتاين، وتفترض وجود ممرٍّ فضائيِّ ـ زمانيٍّ يربط بين نقطتين متباعدتين جدّاً في الكون، بل ربمّا بين عالمين مختلفين، بحيث يُتيح الانتقال بينهما بزمن شبه لحظيّ، خلافاً للمسافات الهائلة التي تتطلّبها قوانين الحركة التقليديّة.

تصف هذه النظرية الثقب الدوديَّ بأنّه نفقٌ أو جسرٌ عبر نسيج الزمكان، يمكن أن يختصر الزمن والمكان معاً، وهو ما تقتضيه حلول مثل جسر آينشتاين ـ روزن أو حلّ كير (Kerr Solution)، ويُعدّ من أبرز السيناريوهات النظريّة للسفر الفائق للضوء أو حتّى للسفر عبر الزمن ضمن الأطر المقبولة في الفيزياء النظرية الحديثة [للمزيد ينظر: الثقوب السوداء، الثقوب الدودية، وآلات الزمن لجيم الخليلي، وكالة ناسا بالعربيّ].

وعليه، يمكن النظر إلى معراج النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) بوصفه انتقالاً حقيقيّاً عبر الزمكان، شبيهاً بما تفترضه الثقوب الدوديّة من اختزالٍ فوريٍّ للأبعاد الزمانيّة والمكانيّة؛ إذ إنّ ما حدث في لحظات من صعوده (صلى الله عليه وآله) من الأرض إلى السماوات العلى، وعودته منها، يتطابق مع طبيعة هذا النوع من الانتقال الفجائيّ المكانيّ ـ الزمانيّ، لكن ليس من باب المصادفة الكونيّة أو الاحتمال الرياضيّ المجرّد، بل بإرادةٍ إلهيّةٍ خارقةٍ سخّرت سنن الكون العليا لخدمة المعجزة، وإظهار مقام النبوّة.

وهكذا، يكون الإسراء والمعراج معجزةً إلهيّةً واقعةً ممكنةً علميّاً، تَحقّقت في سياق فوق طبيعيّ، لكن ضمن نظامٍ كونيٍّ أوسع وأرفع ممّا تدركه أدواتنا المعتادة، وهذا يؤكّد أنّ المعجزة لا تنقض القوانين العلميّة، بل تكشف عن مستوىً أعمق من انتظام الوجود، فهي عجيبةٌ في الظاهر، ممكنةٌ في الجوهر، وشاهدةٌ على قدرة الله في تسخير القوانين ذاتها لإظهار نبوّة رسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله).

وقد اشتمل اعتراض السائل على جملةٍ من المغالطات، نشير لها:

1ـ مغالطة التعميم المتسرّع، أو التعميم غير المنطقيّ؛ وذلك في قوله: (لا يمكن أن يقطع الإنسان آلاف السنين الضوئية في لحظة؛ لأنّ ذلك يُخالف قوانين الفيزياء)؛ لأنّ قوانين الطبيعة تصف العالم في حالته المعتادة، لا في حالات التدخّل الإلهيّ أو الخارق، فكما لا يصحّ رفض معجزة إحياء الموتى لأنّها تخالف علم البيولوجيا، لا يصحّ رفض المعراج لأنّه يخالف النسبيّة العامّة أو سرعة الضوء.

2ـ مغالطة المصادرة على المطلوب؛ وذلك لأن السؤال يفترض سلفاً أنّ الإسراء والمعراج خرافةٌ، ثمّ يبني نقده على هذا الافتراض، وهذا ليس برهاناً بل تحكُّماً في المقدّمات. والصواب أنْ يُقال: هل الإسراء والمعراج ممكنان عقلاً؟ وهل ثمّة دليلٌ كافٍ لقبولهما؟ لا أنْ يُسجَّل عليهما الحكم مسبقاً، فقول السائل: (مستحيل علميّاً وفيزيائيّاً ومنطقيّاً) أوّل الكلام، حيث قلنا إنّه غير محال لا عقلاً ولا علميّاً، بل ولا فيزيائيّاً.

3ـ مغالطة الاحتكام إلى العلم التجريبيّ كمرجعيّةٍ نهائيّة؛ إذ السؤال يتعامل مع العلم التجريبيّ وكأنّه المرجعيّة المطلقة لكلّ شيء، مع أنّ العلم لا يحيط بكلّ شيء، ولا يستطيع أن يفسّر ما لا يخضع للتكرار والملاحظة والاختبار. والمعجزات بطبيعتها لا تقبل التكرار ولا الخضوع للتجربة المختبريّة. أمّا القول بعدم وجود شاهد يشهد المعراج ومن ثَمّ بطلانها، فهو يستلزم نفي كثيرٍ من الوقائع التاريخيّة والروحيّة التي لم تقع في محضر الجمهور، مع أنّ الإسراء والمعراج مرويٌّ بطريق التواتر المعنويّ وثابتٌ في النصّ القرآنيّ.