هل هناك فرق بين الإسلام في مكة والإسلام في المدينة؟
السؤال: يقول أهل الالحاد: إنّ محمداً دعا للإسلام في مكة طيلة 13 عاماً، ولم ينجح إلّا في إقناع 150 إنساناً فقط، لكن عندما دعا إلى الجهاد والسبي والغنائم بعد رحيله للمدينة أصبح كلُّ العرب مسلمين! هذا يجعلك تسأل: أيُّهما الإسلام الجيد الذي كان، في مكة أو في المدينة؟
الإجابة:
الادّعاء بأنّ الإسلام الذي دعا إليه النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) في مكّة يختلف عن الإسلام الذي دعا إليه في المدينة يُبنى على سوء فهم لطبيعة الدعوة الإسلاميّة، فالإسلام في مكّة والمدينة يمثّل مرحلتين متكاملتين من الرسالة المحمّديّة، وليس دينين مختلفين.
ففي مكة، ركز النبيّ (ص) على بناء العقيدة وترسيخ الإيمان بالتوحيد، حيث كان المجتمع المكّيّ غارقاً في الشرك والممارسات الجاهليّة، ولم تكن البيئة المكيّة مهيّأةً لقبول الدعوة بسهولة؛ لأنّها هددت المصالح الاجتماعيّة والاقتصاديّة المرتبطة بعبادة الأصنام. ومع ذلك، استطاع النبيّ (ص) تكوين قاعدةٍ إيمانيّةٍ صلبةٍ، رغم الاضطهاد الشديد الذي واجهه هو وأتباعه.
أمّا في المدينة، فقد تغيّرت الظروف، إذ أصبحت هناك حاجة لتنظيم مجتمعٍ إسلاميٍّ ناشئٍ يضمّ المسلمين وغير المسلمين، ممّا استلزم تشريعاتٍ جديدةً تنظم العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. كما برزت الحاجة إلى الدفاع عن المجتمع المسلم وحمايته من التهديدات الخارجيّة، وهو ما أوجب مشروعية الجهاد، فالجهاد في الإسلام لم يكن أبداً وسيلة لفرض الدين بالقوة، بل كان دفاعياً لحماية المسلمين من العدوان، كما جاء في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39]. فمع أنّ كتاب الله نزل في مجتمعٍ كانت فلسفته الاقتصاديّة والاجتماعيّة وعلاقاته قائمةً على السيف ومنطق القوّة، إلّا أنّه لم يشر إلى السيف في جميع آياته، ولم يرد فيه ذكراً لأدوات القتال إلّا اشارة للرمح في آية واحدة فقط وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94]. واللافت أنّ هذا الذكر لم يكن في سياق التحريض على قتال المشركين، بل جاء للتحذير من اصطياد الحيوانات أثناء الإحرام أو في الحرم، الأمر الذي يعكس توجّه القرآن بعيداً عن تمجيد الحرب والقتال، وفتح مكّة الذي كان أبرز انتصارات الإسلام، يُظهر هذا الجانب بوضوح؛ حيث دخل أهلها الإسلام بسبب تسامح النبيّ (ص) وأخلاقه، دون إراقة دماءٍ تُذكر.
فالقول بأنّ الإسلام انتشر بسبب الجهاد والسبي والغنائم اختزالٌ مخلٌّ لحقائق التاريخ، فكلّ الحروب التي دارت في عهد رسول الله (ص) كانت حروباً دفاعيّةً، ولم تتغيّر الدعوة السلميّة بسبب الهجرة من مكّة إلى المدينة، ودخلت أكثر القبائل العربيّة في الإسلام بالسلم لا بالسيف، وما حصل في عهد الخلفاء من حروبٍ وتوسّعٍ لا يتحمّل الإسلام الأخطاء والتجاوزات التي وقعت فيها، فقد أقام الإسلام دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. وقد أثبت التاريخ نجاح هذا المنهج حيث دخل الإسلام في كثير من البلاد بدون حرب وقتال كما في جنوب شرق آسيا.
وفي المحصلة، تباين منهج الدعوة بين مكّة والمدينة لا يعكس أيّ تناقض، بل يعكس شموليّة الرسالة التي تتكيّف مع الظروف المختلفة. ففي مكة، ركَّز النبيّ (ص) على التوحيد والإيمان، وفي المدينة، جاء التطبيق العمليُّ لهذه المبادئ عبر التشريعات وتنظيم المجتمع، والأخلاق التي دعا إليها النبيّ (ص) في مكة ظلت هي ذاتها التي حكم بها في المدينة، فهو الذي عفا عن أهل مكة عند فتحها قائلاً: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
اترك تعليق