هل القوامة في الإسلام تعني تفوّق الرجال على النساء؟
السؤال: من مطاعن العلمانيين قولهم بعدم مساواة الله بين البشر، حيث يزعمون أنَّ القرآن فضل جنس الرجال على النساء، مستندين إلى قول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا}؛ ويستدلون بذلك على أنّ الرجال أسمى من النساء لأنهم قوامون على النساء، ويقولون إنَّ القوامة هنا تتعلق بتفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وكذلك قيام الرجال بالإنفاق على النساء من المهور وغيرها من النفقات.
الجواب:
أولاً: القوامة التي نصّت عليها الآية لا تعني التفوّق أو الهيمنة، بل تعني المسؤوليّة والولاية التي منحها الله للرجل في إطار العلاقات الأسريّة. في هذا السياق، القوامة هي مسؤوليّةٌ تكليفيّةٌ وليست تشريفيّة؛ إذ تعني أنّ الرجل هو المسؤول عن رعاية الأسرة وحمايتها وتوفير احتياجاتها الماديّة، فالقوامة تتعلّق بواجب الرجل تجاه أسرته في توفير الأمن والرزق والراحة النفسيّة، وهي مسؤوليةٌ تتطلّب إدارةً حكيمةً وعدالةً ورعايةً للأسرة. وبالتالي، فإنّ القوامة هي وظيفة ذات طابع تكليفيّ بحت، وليست سلطة أو امتيازاً يمنح الرجل تفوقاً على المرأة.
وثانياً: الإسلام لا يرى الرجل أفضل من المرأة في الجوهر، بل يحدّد لكلّ منهما دوراً مكملاً للآخر في إطار الأسرة والمجتمع. الرجل ليس أفضل من المرأة، بل تختلف وظائفهما داخل الأسرة والمجتمع بما يتناسب مع طبيعة كلٍّ منهما. هذه الاختلافات ليست لتمييز أحدهما على الآخر، بل لضمان التناغم والعدالة بينهما. فالمرأة مسؤولةٌ عن التربية والرعاية المنزليّة، والرجل مسؤولٌ عن توفير الرزق وحماية الأسرة. هذه الأدوار تكامليّة وليست تنافسيّة؛ لذا، لا يعني التكليف الذي وُكِّل إلى الرجل في القوامة على الأسرة أنّ الرجال أعلى مكانةً من النساء في نظر الله تعالى، فكرامة الإنسان عند الله لا تقاس بمكانته الاجتماعيّة أو الوظيفة التي يؤدّيها، بل بمقدار التزامه بطاعة الله ورسوله، ومدى حرصه على الخير والعدل.
وثالثاً: يؤكّد القرآن الكريم على المساواة الجوهريّة بين الرجل والمرأة في المسؤوليّة أمام الله، ففي قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]. هذه الآية تظهر أنّ الله لا يميّز بين الرجل والمرأة في مجال العبادة والعمل الصالح.
ورابعاً: يؤكّد القرآن الكريم على أنّ التفاضل في الدين لا يعتمد على الجنس أو النوع، بل على التقوى والعمل الصالح. قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وهذه قاعدةٌ عامّةٌ تؤكّد أنّ التفاضل بين الناس يكون فقط على أساس تقوى الله والعمل الصالح، وليس على أساس الجنس أو النسب أو المال.
وفي المحصلة: القوامة التي وردت في القرآن هي مسؤوليّةٌ تكليفيّةٌ للرجل، وليست تفضيلاً تشريفيّاً له. الإسلام يعترف بخصوصيّات كلٍّ من الرجل والمرأة، ويرى أنّ دور كلٍّ منهما في الأسرة والمجتمع مكمّل للآخر. بناءً على ذلك، القوامة ليست تكريماً لجنس الرجل، بل هي توجيهٌ من الله تعالى لضمان استقرار الأسرة وحسن إدارتها. وفي الإسلام، التفاضل بين البشر لا يرتبط بالجنس أو الوظيفة، وإنّما بالتقوى والعمل الصالح.
اترك تعليق