الصحابي عبد الرحمن بن عديس

السؤال: ما موقف الشيعة من الصحابي عبد الرحمن بن عديس؟ وهل حقًا هو قاتل عثمان؟

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

لم تذكر كتب الإماميَّة عبد الرحمن بن عديس البلويّ [ت36هـ]، لهذا قال الشيخ النمازيّ الشهروديّ حين ترجم له: (عبد الرحمن بن عديس أبو محمّد البلويّ: لم يذكروه. وهو صحب النبيّ (ص) وسمع منه. وكان ممّن بايع تحت الشجرة من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه - كما في الآية -. وكان من المجهزين على عثمان) [مستدركات علم الرجال ج4 ص409].

لكن بعد البحث وجدتُ ذكراً له لدى الشيخ المفيد، حيث قال: (ونحن نذكر الآن جملة من بايع أمير المؤمنين (ع)، الراضين بإمامته، الباذلين لأنفسهم في طاعته بعد الذي، أجملناه من الخبر عنهم، ممّن يعترف المنصف بوقوفه على أسمائهم تحقيق ما وصفناه عن عنايتهم في الدين، وتقدّمهم في الإسلام، ومكانهم من نبيّ الهدى... ومن يلحق منهم بالذكر من أوليائهم وعليه شيعتهم وأهل الفضل في الدين والإيمان والعلم والفقه والقرآن المنقطعين إلى الله تعالى بالعبادة والجهاد والتمسّك بحقائق الإيمان: محمّد بن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين وحبيبه... وعبد الرحمن بن عديس السلوليّ، وأويس القرنيّ، وهند الجمليّ، وجندب الأزديّ، والأشعث ابن سوار، وحكيم بن جبلة، ورشيد الهجريّ، ومعقل بن قبس بن حنظلة، وسويد بن الحارث، وسعد بن مبشر، وعبد الله بن وال، ومالك ابن ضمرة، والحارث الهمدانيّ، وحبّة بن جويرة العرنيّ، ممّن كانوا بالمدينة عند قتل عثمان، وأطبقوا على الرضا بأمير المؤمنين (ع)، فبايعوه على حرب مَن حارب وسلم مَن سالم، وأنْ لا يولّوا في نصرته الأدبار) [الجمل ص49ـ50 ].

فالرجل من الممدوحين، ممّن بايع أمير المؤمنين (ع) واعتقد إمامته، لهذا قتله معاوية عبر رجاله.

لكن قد يعرض اشكال على كلام الشيخ المفيد، وهو تلقيبه لعبد الرحمن بالسلولي، ولم يطلق أحدٌ هذا اللقب عليه، لكن الراجح أنّ هذا تصحيف لقرب رسم الكلمتين، والصحيح البلويّ، ممّا يدلّ على تعرّض لقب عبد الرحمن في كتاب الجمل للتصحيف في أكثر من موضع، قول الشيخ المفيد: (فمن ذلك ما رواه أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشيّ وأثبته في كتابه الذي صنفه في مقتل عثمان... فقال حدّثني محمد بن إسحاق عن الزهريّ: لما قدم أهل مصر في ستمائة راكب عليهم عبد الرحمن بن عديس البكريّ، فنزلوا ذا خشب وفيهم كنانة بن بشير...) [الجمل ص75].

فهنا صحفت كلمة (البلويّ) إلى (البكريّ)، وهذا يدلّ على طرو التصحيف على اسمه في كتاب الجمل.

ثمّ إنّنا لم نعثر على أحدٍ في كتب التراجم معاصر للإمام عليّ (ع) يحمل اسم عبد الرحمن بن عديس إلّا المترجم له هنا، فلا وجود للسلوليّ، فيكون مَن سمّاه الشيخ المفيد هو البلويّ نفسه، فالرجل ممدوح مرضيّ لدى الشيعة.

أمّا مشاركته في الثورة على عثمان والتحريض عليه، فمشهور، ذكرته كلّ كتب التاريخ، وبعضهم ذكر مباشرته قتله.

قال ابن سعد في ترجمة عبد الرحمن: (عبد الرحمن بن عديس البلويّ، من صحب النبيّ (ص) وسمع منه، وكان فيمَن رحل إلى عثمان حين حصر حتّى قتل، وكان رأساً فيهم) [الطبقات الكبرى ج7 ص509].

روى ابن عساكر بسنده: (قال ابن لهيعة: كان عبد الرحمن بن عديس البلويّ سار بأهل مصر إلى عثمان فقتلوه، ثمّ قتل ابن عديس بعد ذلك بعامٍ أو اثنين بجبل لبنان أو بالجليل) [تاريخ دمشق ج35 ص114].

وقال ابن الأثير: (له صحبة، وشهد بيعة الرضوان وبايع فيها، وكان أمير الجيش القادمين من مصر لحصر عثمان) [أسد الغابة ج3 ص309].

وقال الذهبيّ: (عبد الرحمن بن عديس أبو محمّد البلويّ. له صحبةٌ. وبايع تحت الشّجرة. وله رواية. سكن مصر. وكان ممّن خرج على عثمان وسار إلى قتاله. نسأل اللَّه العافية. ثمّ ظفر به معاوية فسجنه بفلسطين في جماعة، ثمّ هرب من السّجن، فأدركوه بجبل لبنان فقتل... قال ابن يونس: كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان) [تاريخ الإسلام ج3 ص535].

وقال ابن كثير - نقلاً عن ابن عساكر -: (حدّثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو أنّه سمع أبا ثور الفقيميّ يقول: قدمتُ على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت، فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلتُ على عثمان فأعلمته، قال: فكيف رأيتَهم؟ فقلت: رأيتُ في وجوههم الشرّ، وعليهم ابن عديس البلويّ، فصعد ابن عديس منبر رسول الله (ص) فصلّى بهم الجمعة، وتنقّص عثمان في خطبته، فدخلتُ على عثمان فأخبرتُه بما قال فيهم، فقال: كذب والله ابن عديس...) [البداية والنهاية ج7 ص203، تاريخ دمشق ج39 ص424].

وقال: (وذكر ابن جرير: أنّهم أرادوا حزّ رأسه بعد قتله، فصاح النساء وضربنَ وجوههنَّ، فيهنَّ امرأتاه نائلة وأمّ البنين وبناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثمّ مال هؤلاء الفجرة...) [البداية والنهاية ج7 ص210].

وقال ابن حجر: (قوله: «ويصلّي لنا» أي يؤمّنا، قوله: «إمام فتنة» أي رئيس فتنة، واختلف في المشار إليه بذلك، فقيل: هو عبد الرحمن بن عديس البلويّ، أحد رؤوس المصريّين الذين حصروا عثمان، قاله ابن وضّاح فيما نقله عنه ابن عبد البر وغيره، وقاله ابن الجوزي) [فتح الباري ج2 ص159].

وقد روى ابن شبة ما يدلّ على مشاركة عبد الرحمن بقتل عثمان، عن محمد بن شهاب قال: (..ودخل عمرو بن الحمق، وكنانة بن بشر، وابن رومان، وعبد الرحمن بن عديس، فمالوا عليه بأسيافهم حتى قتلوه) [تاريخ المدينة ج4 ص1303].

وقد أكّد المؤرخ اليعقوبيّ ذلك ـ وهو ليس إماميّاً كما يزعمون ـ قال: (وكان الذين تولوا قتله: محمّد بن أبي بكر، ومحمّد بن أبي حذيفة، وابن حزم، وقيل: كنانة بن بشر التجيبيّ، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ، وعبد الرحمن ابن عديس البلويّ، وسودان بن حمران، وأقام ثلاثا لم يدفن) [تاريخ اليعقوبي ج2 ص176].

ولا شكّ أنّ السلفيّ سيلجأ إلى الطعن بأسانيد معظم الروايات، لكن غاب عن ذهنه أنّها أخبارٌ تاريخيّةٌ لا يشترط فيها صحّة السند، وشهرتها تغني عن بحث أسانيدها.