هل مرض الأئمّة يُنافي عصمتهم؟
السؤال: هل مرض الإمام (ع) لا يُخلّ بالعصمة الثابتة له؟ وإذا كان المرض يحصل له، فهل سببه هو العوامل الطبيعيّة، أو فيروسٌ مثلاً (رمد عين الإمام عليّ في معركة الخندق)؟! كيف للفيروس أنْ يؤثّر على الإمام (ع) وهو معصوم؟
الجواب:
إنَّ العصمة لا تُخرج المعصوم عن بشريّته، وإنّما هي كمالٌ يناله الإنسان بوصفه بشراً، فالمعصوم لا يخرج عن بشريّته في حال عصمته، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ} [الكهف: 110]، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله) رغم مقامه العظيم، كان بشراً يُشارك الناس في طبيعتهم الإنسانيّة.
فالله خلق الإنسان قبضةً من طين ونفخةً من روح، كما جاء في قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي} [الحجر: 29]. فهذه الثنائيّة – أي الطين والروح – هي أساس الطبيعة البشريّة، فالطين يُرمز إلى المادّة والاحتياجات الجسديّة، بينما الروح تُمثّل الجانب الساميّ المائل نحو الكمال والارتقاء.
وبناءً على تلك الطبيعة نفهم أنّ العصمة تتعلّق بالأفعال الاختياريّة التي ترتبط بمهمّة التبليغ عن الله وأداء المسؤوليّات التشريعيّة، وبمعنى أعمّ: ترتبط العصمة بما يتّصل بإرادة الإنسان واختياراته التي يمكن أن تكون موضوعاً للتكليف الإلهيّ.
أمّا الأمور التكوينيّة مثل المرض، أو الحوادث الطبيعيّة، أو الموت، فهي خارجةٌ عن نطاق العصمة؛ لأنّها أمورٌ جاريةٌ وفق السنن الإلهيّة التي تشمل كلّ البشر دون استثناء، والأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) يخضعون لهذه السنن كونهم بشراً يحملون طبيعة الإنسان، وهذا لا يتنافى مع مقامهم العظيم أو عصمتهم في أداء مهامهم الرساليّة.
ولو كان المعصوم مخلوقاً مُجرّداً كالمَلائكة، لكان من الصعب على البشر أن يجعلوه قدوةً أو أن يقتدوا بأفعاله، ولكن كونه بشراً يُشارك الناس ما يُعانون من آلامٍ وابتلاءات، ثمّ يختار الصبر والطاعة رغم ذلك، يجعل من عصمته نموذجاً إنسانيّاً واقعيّاً يمكن الاحتذاء به.
فبعض الأمراض والابتلاءات قد تكون جزءاً من الحكمة الإلهيّة لبيان مقامهم أو لتربية الأمّة، مثال ذلك مرض النبيّ أيّوب (عليه السلام) الذي كان اختباراً لصبره، قال الله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، وكذلك مرض الإمام عليّ (عليه السلام) برمد العين كان إظهاراً لمقامه الشريف لجميع المسلمين.
فغير المعصومين قد يُصابون بالأمراض كعقابٍ أو تطهيرٍ من الذنوب، بينما المعصوم تكون إصابته ابتلاءً لرفع منزلته، أو ليكون قدوةً لغيره في الصبر وتحمّل الأذى.
وفي المحصّلة،
مرض الإمام لا يُخلّ بعصمته؛ لأنّه من الابتلاءات الجسديّة التي لا علاقة لها بالكمال الروحيّ أو السلوكيّ، والأمراض التي تُصيبهم قد تكون بسبب عوامل طبيعيّة، لكنّها تحدث وفق حكمةٍ إلهيّةٍ ساميةٍ تُبرز بشريّتهم من جهة، وتُؤكّد مقامهم الخاصّ من جهةٍ أخرى، كما رأينا في رمد الإمام عليّ (عليه السلام)، والذي كان سبباً في إظهار فضله وشجاعته.
اترك تعليق