آخر الناس عهداً بالنبي (ص)، علي أم عائشة؟
السؤال: أهل السنة يروون أحاديث صحيحةً على منهجهم الروائيّ عن عائشة أنّها قالت «توفي النبيُّ - صلى الله عليه [وآله] وسلم - في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري». والشيعة تقول: إنّ الرسول صلى الله عليه وآله توفّي بين يدي الإمام علي وفاضت نفسه بين يديه فمرَّرها على وجهه. هل عند الشيعة في كتبهم أو كتب غيرهم رواياتٌ صحيحةٌ تثبت مدّعاهم بسندٍ صحيحٍ؟
الجواب:
إنّ روايات الشيعة متّفقةٌ على أنّ أمير المؤمنين (ع) كان آخر الناس عهداً بالنبيّ (ص)، ولا يوجد فيها اختلاف، نشير لبعضها: فمنها: ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: «فلقد وسّدتُك في ملحودة قبرك، وفاضتْ بين سحري وصدري نفسُك، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون» [نهج البلاغة ج2 ص182]. ومنها: ما ورد عنه (ع): «ولقد قبض رسول الله (ص) وإنّ رأسه لعلى صدري..» [نهج البلاغة ج2 ص172]. ومنها: ما ورد عنه أيضاً: «ولقد قبض النبيّ (ص) وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد وليتُ غسله بيدي، تقلّبه الملائكة المقربون معي» [الأمالي للمفيد ص23].
وإنّما وقع الخلاف في روايات العامّة؛ إذ وردت رواياتهم على طائفتين:
الطائفة الأولى: آخر الناس عهداً هي عائشة بنت أبي بكر:
فقد ورد في عدّة رواياتٍ عن عائشة أنّها كانت آخر الناس عهداً بالنبيّ (ص)، ففي روايةٍ أنّها قالت: «فلمّا كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودُفن في بيتي» [صحيح البخاري ج2 ص106]. وفي روايةٍ أخرى: «إنّ من نعم الله عليَّ أنَّ رسول الله (ص) تُوفّي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري» [صحيح البخاري ج5 ص141]. وفي روايةٍ ثالثةٍ: «إنّ النبيّ (ص) رغب أنْ يُقبض في بيت عائشة، فاستأذن نساءه فوافقنَ على ذلك، وبقي في بيتها حتّى التحق بالرفيق الأعلى» [صحيح البخاري ج5 ص139]. وفي روايةٍ رابعة: «فلمّا نزل به ورأسه على فخذي غشى عليه» [صحيح البخاري ج5 ص144].
ومن اللافت للنظر أنّ جميع الروايات المتعلّقة بلحظة وفاة النبيّ (ص) عند عائشة وغير ذلك من القضايا الحساسة المرتبطة بتلك اللحظة، كلّها منقولة عن عائشة فقط دون غيرها، وهذا يثير التساؤل ويثير التعجّب، كما سيأتي.
الطائفة الثانية: أنّ آخر الناس عهداً هو أمير المؤمنين (ع):
الأوّل: حديث أمّ سلمة:
روى أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وأبو يعلى والنسائيّ والأصفهانيّ والطبرانيّ والحاكم وابن عساكر وغيرهم، بالإسناد إلى مغيرة بن مقسم عن أمّ موسى عن أمّ سلمة، قالت: «والذي أحلف به، إنْ كان عليٌّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (ص). قالت: عدنا رسول الله (ص) غداةً بعد غداة يقول: جاء علي؟ - مراراً -، قالت: وأظنُّه كان بعثًهُ في حاجة. قالت: فجاء بعدُ، فظننتُ أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، فكنتُ من أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليٌّ فجعل يسارّه ويناجيه، ثمّ قبض من يومه ذلك، فكان أقرب الناس به عهداً» [مسند أحمد ج6 ص300، فضائل الصحابة ج2 ص686، مصنف ابن أبي شيبة ج7 ص494، مسند أبي يعلى ج12 ص364، خصائص علي ص165، السنن الكبرى للنسائيّ ج6 ص392، ذكر أخبار أصبهان ج1 ص250، المعجم الكبير ج23 ص375، المستدرك ج3 ص139، تاريخ دمشق ج42 ص394، وغيرها].
قال الحاكم النيسابوريّ: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبيّ: (صحيح) [المستدرك ج3 ص149]، وقال الهيثميّ: (رواه أحمد وأبو يعلى.. والطبرانيّ باختصار، ورجالهم رجال الصحيح، غير أمّ موسى، وهي ثقة) [مجمع الزوائد ج9 ص112]، وقال المحقّق سعيد السناريّ: (حسن..) [مسند أبي يعلى ج9 ص368 و403]، وقال المحقّق حسين سليم أسد: (إسناده صحيح) [مسند أبي يعلى ج12 ص364 و404]، وقال المحقّق حمزة أحمد الزين: (إسناده صحيح، أم موسى.. و هي موثّقة)[مسند أحمد ج18 ص263] ، و قال الشوكانيّ: (رجاله ثقات) [درّ السحابة ح148].
الثاني: حديث عبد الله بن عباس: وهو مرويّ بألفاظٍ وطرق:
1ـ روى الطبرانيّ بالإسناد إلى يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عبّاس: «أنّ النبيّ (ص) لـمّا ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل عليٌّ، فلمّا رآه النبي (ص) رفع رأسه، ثمّ قال: ادن منّي، ادن منّي. فأسنده إليه، فلم يزل عنده حتّى توفّي، فلمّا قضى قام عليّ وأغلق الباب...» [المعجم الأوسط ج3 ص195]. قال الهيثميّ: (فيه يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات) [مجمع الزوائد ج9 ص36].
2ـ روى الطبرانيّ بالإسناد إلى المختار بن نافع، عن عبد الأعلى التيميّ، عن إبراهيم التيميّ، عن ابن عبّاس، قال: «جاء ملك الموت إلى النبيّ (ص) في مرضه الذي قبض فيه فاستأذن ورأسه في حجر عليّ..» [المعجم الكبير ج12 ص141].
3ـ روى ابن سعد عن محمّد بن عمر، عن سليمان بن داود، عن أبيه، عن أبي غطفان، قال: «سألتُ ابن عباس: أرأيتَ رسول الله (ص) توفّي ورأسه في حجر أحد؟ قال: توفّي وهو لمستند إلى صدر عليّ، قلت: فإنّ عروة حدثّني عن عائشة أنّها قالت: توفّي رسول الله (ص) بين سحري ونحري، فقال ابن عبّاس: أتعقل؟ والله لتوفّي رسول الله (ص) وإنّه لمستندٌ إلى صدر عليّ» [الطبقات الكبرى ج2 ص230].
الثالث: حديث أبي رافع:
روى البزّار عن غسان بن عبيد الله، عن يوسف بن نافع، عن ابن أبي الموالي، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه (رض) قال: «توفّي رسول الله (ص) ورأسه في حجر عليّ بن أبي طالب..» [مسند البزار ج9 ص329].
الرابع: حديث جابر الأنصاريّ:
روى ابن سعد عن محمّد بن عمر، عن عبد العزيز بن محمّد، عن حرام بن عثمان، عن أبي حازم، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ: «أنّ كعب الأحبار قام زمن عمر، فقال - ونحن جلوسٌ عند عمر أمير المؤمنين -: ما كان آخر ما تكلّم به رسول الله (ص)؟ فقال عمر: سل عليّاً، قال: أين هو؟ قال: هو هنا، فسأله، فقال عليّ: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: الصلاة الصلاة، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أمروا وعليه يبعثون، قال: فمَن غسله يا أمير المؤمنين؟ قال: سل عليّاً، قال: فسأله، فقال: كنتُ أنا أغسله...» [الطبقات الكبرى ج2 ص230].
الخامس: حديث عائشة: وهو مرويّ بغير طريق ولفظٍ:
1ـ روى ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن عساكر بالإسناد إلى صدقة بن سعيد، عن جميع بن عمير: «أنّ أمّه وخالته دخلتا على عائشة، فقالتا:... فأخبرينا عن عليّ، قالت: أيّ شيء تسألنَ عن رجل وضع يده من رسول الله (ص) موضعاً فسالت نفسه في يده، فمسح بها وجهه؟! واختلفوا في دفنه، فقال: إنّ أحبّ البقاع إلى الله مكان قبض فيه نبيّه، قالتا: فلِم خرجتِ عليه؟ قالت: أمرٌ قضي، لوددتُ أنْ أفديه ما على الأرض» [المصنّف ج7 ص501، مسند أبي يعلى ج8 ص279 تاريخ مدينة دمشق ج42 ص394].
2ـ روى ابن عساكر بالإسناد إلى إسماعيل بن أبان، عن عبد الله بن مسلم الملائيّ، عن أبيه، عن إبراهيم، عن علقمة بن الأسود، عن عائشة، قالت: «قال رسول الله (ص) - وهو في بيتها لـمّا حضره الموت -: ادعوا لي حبيبي، فدعوتُ له أبا بكر، فنظر إليه، ثمّ وضع رأسه ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي، فدعوا له عمر، فلمّا نظر إليه وضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي، فقلت: ويلكم، ادعوا لي [له] عليّ بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره. فلما رآه أفرد الثوب الذي كان عليه، ثمّ أدخله فيه، فلم يزل محتضنه حتّى قبض ويده عليه» [تاريخ دمشق ج42 ص394].
السادس: حديث أمير المؤمنين (ع):
روى ابن سعد عن محمّد بن عمر، عن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: «قال رسول الله (ص) في مرضه: ادعوا لي أخي، فدعي له عليّ، فقال: ادن منّي، فدنوتُ منه، فاستند إليّ، فلم يزل مستنداً إليَّ وإنّه ليكلّمني حتّى إنّ بعض ريق النبيّ (ص) ليصيبني، ثمّ نزل برسول الله (ص) وثقل في حجري، فصحت: يا عبّاس، أدركني، فإني هالك، فجاء العبّاس فكان جهدهما جميعاً أنْ اضجعاه». [الطبقات الكبرى ج2 ص230].
السابع: شعر بعض الصحابة:
ورد أنّ بعض الصحابة قال شعراً في مدح أمير المؤمنين (ع) حين بُويع لأبي بكر، وممّا جاء فيه:
ما كنت أحسب أن الأمر منحرف * عن هاشم ثمّ عنها عن أبي حسن
أليس أوّل مَن صلّى لقبلتكم * وأعلم الناس بالآثار والسنن
وأقرب الناس عهداً بالنبيّ ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
وقد اختلفت الأخبار في قائل هذا الشعر، ففي خبرٍ: أنّه العبّاس بن عبد المطلب [ينظر: المناقب للخوارزميّ ص40]، وفي خبرٍ: أنّه الفضل بن العبّاس بن عتبة [ينظر: الإصابة ج3 ص512]، وفي خبرٍ: أنّه لبعض ولد أبي لهب بن عبد المطّلب [ينظر: الموفقيات ص220، شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص21]، وفي خبر: أنّه لخزيمة بن ثابت [ينظر: أعيان الشيعة ج1 ص358].
وغيرها من الأخبار.
وعليه نقول:
إنّ هذا التعارض الواضح بين طائفتين من الروايات في مصادر أهل السنّة حول لحظة وفاة النبيّ (ص) يمثّل أوّل قرينةٍ تدعو إلى الشكّ في صحّة ما روي عن عائشة، فإنّه وإن كانت روايات عائشة من حيث السند أقوى بحسب المنهج الحديثيّ المتّبع عندهم – وهو منهج تحكمه الانتماءات العقديّة – إلّا أنّ روايات الطائفة المقابلة مرويّةٌ من عدّة طرق، ومتعدّدة المصادر، ممّا يمنحها قوّةً تراكميَّةً معتبرةً، تُشكّل قرينةً قويّةً على صدق مضمونها. وعليه، فالقاعدة النقديَّة تفرض علينا ترجيح إحدى الطائفتين من الروايات المنقولة من العامة، ولا يصحّ التسوية بينهما، ويتحوّل البحث إلى النظر في وجود قرائن وشواهد تُرجّح إحدى الطائفتين على الأخرى.
فنقول: هناك مجموعةٌ من المعطيات والقرائن تُشكّل بمجموعها مرجّحاتٍ قويّةً تُفضي إلى ترجيح الروايات التي تُثبت حضور أمير المؤمنين (ع) في لحظات احتضار النبيّ (ص)، ووفاته في حجره، على ما تنقله عائشة من انفراده بها في تلك الساعة، وأهمّ هذه المعطيات ما يأتي:
أوّلاً: تفرّد عائشة الطائفة الأولى، واستفاضة الطائفة الثانية:
لا يخفى أنّ وفاة النبيّ (ص) كانت نقطةً فاصلةً في تاريخ الإسلام، ولا تقبل العبث أو النقل المنفرد، فهي حدثٌ جللٌ شاهده الجميع، والروايات التي تنسب وفاة النبيّ (ص) إلى حجر عائشة أو صدرها ترد جميعها من راوٍ واحدٍ وهو عائشة نفسها، فهي التي انفردت بنقلها، ولم تُروَ من طريق غيرها من الصحابة.
ومن الواضح أنّ عائشة كانت طرفاً رئيساً في النزاع السياسيّ والمذهبيّ بعد وفاة النبيّ (ص)، وحين يكون الراوي طرفاً في النزاع فإنّ شهادته تكون محلّ تهمة، ولا يمكن الاطمئنان إلى حياديّته، خاصّة إذا كانت الرواية ذات طابعٍ تبجيليٍّ وتُظهر الراوي في موضعٍ مميّزٍ واستثنائيٍّ كما هو واضحٌ في ألفاظها: «توفي بين سحري ونحري»، و «في بيتي وفي يومي»، ونحو ذلك، وهو ما يدلّ على وجود بُعد ذاتيّ في النقل، لا يخلو من الترويج لمكانتها الشخصيّة في مقابل أمير المؤمنين (ع).
بل أكثر من ذلك، فإنّ رواية عائشة كانت تحمل بُعداً عقديّاً؛ لنفي وصاية أمير المؤمنين (ع)، فقد روى البخاريّ عن الأسود قال: «ذكروا عند عائشة: أنّ عليّاً كان وصيّاً، فقالت: متى أوصى إليه؟ وقد كنتُ مسندته إلى صدري – أو قالت: حجري -، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري، فما شعرت أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟» [صحيح البخاري ج3 ص1006]. فجعلت دعواها هذه مدعاةً لإنكار الوصاية لأمير المؤمنين (ع)، وقد أجاب عن كلامها العلّامة الشوكانيّ بقوله: (والإنكار لوصاية أمير المؤمنين عليّ المفهوم من استفهام أم المؤمنين لا يدلّ على عدم ثبوتها، وعدم وقوعها من النبيّ (ص) في ذلك الوقت الخاصّ لا يدلّ على العدم المطلق، وقد استوفينا الكلام على ذلك في رسالةٍ مستقلٍّة لـمّا سأل عن ذلك بعض العلماء) [نيل الأوطار ج1 ص115].
على كلٍّ، الطائفة الأولى مبتلة بالتفرّد، بخلاف الطائفة الثانية، فإنّها لم ترد من طريقٍ واحدٍ فحسب، بل رُويت من طرقٍ متعدّدةٍ وبشهاداتٍ مختلفةٍ، ومن أشخاصٍ متعددين، ولم يكن الإمام عليّ (ع) متفرّداً بنقلها، بل جاءت على لسان الصحابة وأهل بيت النبيّ وغيرهم، بل عن عائشة نفسها، وهذا يعزّز مصداقيّتها ويقوّي وثاقتها في ميزان النقد الحديثيّ.
وثانياً: عدم معقوليّة الانفراد المطلق:
إذْ من غير المقبول عقلاً أنْ تكون وفاة النبيّ الأعظم (ص) - وهي لحظةٌ مصيريّةٌ ومقدّسةٌ في حياة الأمّة - قد حدثت في عزلةٍ تامّةٍ عن أهل بيته وأقرب الناس إليه. فهل يُعقل ألّا يكون عليٌّ (ع)، - وهو أقرب الناس للنبيّ في السلم والحرب - حاضراً إلى جواره؟! وأين كانت ابنته الزهراء (ع)، وهي بضعةٌ منه وروحه التي بين جنبيه؟! وأين كان الصحابة والأنصار وأمهات المؤمنين الأخريات؟!
إنّ القول بانفراد عائشة بالنبيّ في هذه اللحظة يُسيء إلى سائر الصحابة وأهل البيت (ع)، ويظهرهم في موقف الجفاء والتخلّي في أشدّ اللحظات حرجاً، وهو أمرٌ غير معقول، ولا ينسجم مع السيرة المستفيضة الثابتة عن شدّة ملازمة عليٍّ للنبيّ (ع)، خصوصاً في أواخر حياته.
وثالثاً: تكذيب الصحابة لحديث عائشة:
إنّ الملاحظ أنّ لسان حديث أمّ سلمة: «والذي أحلف به، إنْ كان عليٌّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (ص)»، يحمل إشارةً واضحةً إلى تكذيب عائشة في دعوى كونها آخر الناس عهداً.
بل إنّ حديث عبد الله بن عبّاس يحمل تكذيباً صريحاً لحديث عائشة؛ إذ سأله أبو غطفان قائلاً: «قلت: فإنّ عروة حدثّني عن عائشة أنّها قالت: توفّي رسول الله (ص) بين سحري ونحري! فقال ابن عبّاس: أتعقل؟ والله لتوفّي رسول الله (ص) وإنّه لمستنٌد إلى صدر عليّ». فإنّ قوله: «أتعقل» يفيد عدم معقولية حديث عروة عن عائشة، وهذا أسلوبٌ بليغٌ في النفي؛ إذ لم يكتفِ بعدم صحّته حديثها، بل نفى معقوليّته.
بل أكثر من ذلك، فقد تقدّم أنّ عائشة نفسها ذكرت أنّ أمير المؤمنين (ع) كان آخر الناس عهداً بالنبيّ (ص)، وهذا يحمل في طيّاته تكذيباً لدعواها أنّها آخر الناس عهداً به (ص)، ويبدو أنّ عائشة كانت لها حالتان: أحدهما: كانت تروي ما يخالف واقع أمير المؤمنين (ع) وقربه من النبيّ (ص) عناداً منها له.
والأخرى: كانت تروي فضائل أمير المؤمنين (ع) نكايةً بمعاوية والأمويّين بعد نشوب العداء بينهما.
وخلاصة القول:
رواية عائشة، رغم شهرتها عند المخالفين، تعاني من عدّة مشكلاتٍ منهجيَّةٍ: مخالفتها لعدّة روايات، انفرادها بطريقها، وراويها طرفٌ في النزاع السياسيّ، وفيها دوافع ذاتيةٌ وعقديَّةٌ واضحة، وقد كُذِّبت من جمعٍ من الصحابة كابن عباس وأم سلمة، بل وهي نفسها كذّبتها - وعلى هذا الأساس - ترجّح كفّة الروايات التي تثبت وفاة النبيّ (ص) بين يدي أمير المؤمنين عليّ (ع)، لما فيها من اتساق، وتعدّد طرق، وثبوت السند، وموافقة للسياق العام، هذا كلّه على منهج العامة، وأمّا على مذهبنا فلا يوجد أيّ تعارضٍ حتّى تصل النوبة إلى الترجيح، فوفاة النبيّ (ص) في حجره (ع) من الثوابت عندنا.
اترك تعليق