نبوة خالد بن سنان

السؤال: مَن هو خالدُ بنُ سنانٍ العبسيّ، وهل يُعتبَر نبيًّا بين الرسول محمدٍ (ص) والنبيّ عيسى؟

الجواب:

وقع خلافٌ بين علماء المسلمين – تبعًا لاختلاف الأخبار – في نبوَّة خالد بن سنان العبسيّ، وسنذكر في المقام بعضًا ممّا عثرنا عليه من رواياتٍ شريفةٍ وكلماتٍ للعلماء.

المقام الأوّل: الروايات والأخبار:

1ـ روى الشيخُ الكلينيّ بالإسناد إلى محسن بن أحمد بن معاذ، عن أبانَ بن عثمان، عن بشيرِ النبّال، عن أبي عبد الله (ع) قال: «بينما رسولُ الله (ص) جالسًا إذ جاءته امرأةٌ، فرحّب بها، وأخذ بيدها، وأقعدها، ثمّ قال: ابنةُ نبيٍّ ضيّعه قومُه، خالدُ بنُ سنان، دعاهم فأبوا أن يؤمنوا، وكانت نارٌ يُقال لها: نارُ الحدثان، تأتيهم كلّ سنةٍ فتأكل بعضَهم، وكانت تخرج في وقتٍ معلوم، فقال لهم: إنْ رددتُها عنكم تؤمنون؟ قالوا: نعم، قال: فجاءت، فاستقبلها بثوبِه فردّها، ثمّ تبعها حتى دخلت كهفها، ودخل معها، وجلسوا على باب الكهف وهم يرون ألّا يخرج أبدًا، فخرج وهو يقول: هذا هذا، وكلّ هذا من ذا، زعمت بنو عبس أنّي لا أخرج وجبيني يندى، ثمّ قال: تؤمنون بي؟ قالوا: لا، قال: فإنّي ميتٌ يوم كذا وكذا، فإذا أنا متُّ فادفنوني، فإنّها ستجيئ عانةٌ من حُمرٍ يقدمها عِيرٌ أبتر حتى يقف على قبري، فانبشوني وسَلوني عمّا شئتم، فلمّا مات دفنوه، وكان ذلك اليوم إذ جاءت العانة، اجتمعوا وجاؤوا يريدون نبشَه، فقالوا: ما آمنتم به في حياته، فكيف تؤمنون به بعد موته؟! ولئن نبشتموه ليكوننّ سبّةً عليكم، فاتركوه، فتركوه» [الكافي، ج٨، ص٣٦٦].

ورواه قطبُ الدينِ الراونديّ بالإسناد إلى عليّ بن شجرة، عن عمّه، عن بشير النبّال، عن الصادقِ (ع).[قصص الأنبياء، ص٢٧٥].

2ـ روى الشيخُ الصدوق بالإسناد إلى ابنِ أبي عمير، عن أبانَ بنِ عثمان، عن بشيرِ النبّال، عن أبي جعفر الباقر وأبي عبدِ الله الصادق (ع) قالا: «جاءت ابنةُ خالد بن سنان العبسيّ إلى رسولِ الله (ص)، فقال لها: مرحبًا يا ابنةَ أخي، وصافحها، وأدناها، وبسط لها رداءه، ثمّ أجلسها إلى جنبه، ثمّ قال: هذه ابنةُ نبيٍّ ضيّعه قومُه، خالدُ بنُ سنان العبسيّ، وكان اسمها محياة ابنة خالد بن سنان».[كمال الدين، ص٦٦٠].

3ـ روى الطبرانيّ بالإسناد إلى سعيدِ بنِ جبير، عن ابن عبّاس قال:

«جاءت بنتُ خالد بن سنان إلى النبيِّ (ص)، فبسط لها ثوبَه، وقال: بنتُ نبيٍّ ضيّعه قومُه».[المعجم الكبير، ج١١، ص٣٤٩] وروى مثلَه ابنُ أبي شيبة بالإسناد إلى سعيد بن جبير من قولِه، [المصنّف، ج٧، ص٥٦٠].

4ـ روى الطبرانيّ والحاكمُ بالإسناد، عن أبي يونس، عن عكرمة، عن ابنِ عبّاس (رض):«أنّ رجلًا من بني عبس يُقال له: خالد بن سنان، قال لقومه: إنّي أُطفئ عنكم نارَ الحدثان، قال: فقال له عمارة بن زياد - رجلٌ من قومِه -: واللهِ ما قلت لنا يا خالد قطُّ إلّا حقًّا، فما شأنُك وشأنُ نارِ الحدثان؟! تزعم أنّك تُطفئها؟! قال: فانطلق، وانطلق معه عمارةُ بن زياد في ثلاثين من قومه، حتى أتوها وهي تخرج من شقّ جبلٍ من حرّة يُقال لها: حرّة أشجع، فخطّ لهم خالدٌ خطّةً، فأجلسهم فيها، فقال: إنْ أبطأتُ عليكم فلا تدعوني باسمي.

فخرجت كأنّها خيلٌ شُقرٌ يتبع بعضُها بعضًا، قال: فاستقبلها خالدٌ، فضربها بعصاه وهو يقول: بدا بدا بدا، كلّ هدى، زعم ابنُ راعيةِ المعزى أنّي لا أخرج منها وثناي بيدي، حتى دخل معها الشقّ، قال: فأبطأ عليهم، قال: فقال عمارةُ بنُ زياد: واللهِ لو كان صاحبُكم حيًّا لقد خرج إليكم، قالوا: ادعوه باسمه، قال: فقالوا: إنّه قد نهانا أن ندعوه باسمه، فدعوه باسمه، قال: فخرج إليهم وقد أخذ برأسه، فقال: ألم أنهَكم أن تدعوني باسمي؟ قد – واللهِ – قتلتموني، فادفنوني، فإذا مرّت بكم الحُمرُ، فيها حمارٌ أبتر، فانبشوني، فإنّكم ستجدوني حيًّا.

قال: فدفنوه، فمرّت بهم الحُمرُ، فيها حمارٌ أبتر، فقلنا: انبشوه، فإنّه أمرنا أن ننبشه، قال عمارةُ بنُ زياد: لا تُحدِثْ مضرُ أنّا ننبش موتانا، واللهِ لا ننبشُه أبدًا.

قال: وقد كان أخبرهم أن في عُكن امرأته لوحين، فإذا أُشكل عليكم أمرٌ، فانظروا فيهما، فإنّكم سترون ما تسألون عنه، وقال: لا يمسّهما حائض. قال: فلمّا رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما، فأخرجتهما وهي حائض، قال: فذهب بما كان فيهما من علمٍ.

قال: فقال أبو يونس: قال سماكُ بنُ حرب: سأل عنه النبيُّ (ص)، فقال: ذاك نبيٌّ أضاعه قومُه.

وقال أبو يونس: قال سماكُ بنُ حرب: إنّ ابنَ خالدِ بنِ سنان أتى النبيَّ (ص)، فقال: مرحبًا بابنِ أخي».[المعجم الكبير، ج١١، ص٢٣٧؛ المستدرك، ج٢، ص٥٩٨]

وقال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط البخاريّ ولم يخرّجاه).

ولكن، يُعارض هذه الروايات نصوصٌ أخرى، وهي:

1ـ النصوصُ الدالّة على أنّه ليس بين النبيِّ عيسى (ع) وبين خاتم الأنبياء (ص) نبيٌّ مُرسل، كقوله تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ} [المائدة: 19]. وعن أميرِ المؤمنين (ع): «أرسله على حينِ فترةٍ من الرسل، وطولِ هجعةٍ من الأمم...»[نهج البلاغة، ج١، ص١٥٦]. وروى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله (ص):«أنا أولى الناسِ بابنِ مريم، والأنبياءُ أولادُ عِلّات، وليس بيني وبينه نبيٌّ».[صحيح البخاري، ج٣، ص١٢٧٠؛ صحيح مسلم، ج٧، ص٩٦].

وأجاب علماؤنا:

أنّ زمانَ الفترةِ لم يخلُ من الحججِ الإلهيّين، إذْ كلُّ أمةٍ كان فيها حجج، يقول تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] ويقول: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الملك: 8 – 9]. والنصوصُ مستفيضةٌ في أنّه: «لا تخلو الأرضُ من إمامٍ حيٍّ، إمّا ظاهرٌ مشهور، أو خافٍ مستور»، وقال الشيخُ الصدوق: (وإنّما معنى الفترة أنّه لم يكن بينهما رسولٌ ولا نبيٌّ ولا وصيٌّ ظاهرٌ مشهور، كمَن كان قبلَه، وعلى ذلك دلّ الكتابُ المنزل، أنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّدًا (ص) على حينِ فترةٍ من الرسل، لا من الأنبياءِ والأوصياء، ولكنْ قد كان بينه وبين عيسى (ع) أنبياءُ وأئمّةٌ مستورون خائفون). [كمال الدين، ص٦٥٩].

وأجاب بعضُ علماء العامّة:

أنّه لم يُبعث بعد عيسى (ع) نبيٌّ بشريعةٍ مستقلة، وإنّما بُعث بعده مَن بُعث – كالثلاثةِ المذكورين في قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] – بتقريرِ شريعةِ عيسى (ع). [ينظر: فتح الباري، ج٦، ص٣٥٤].

2ـ النصوصُ الخاصّةُ النافيةُ لنبوّةِ خالدِ بنِ سنان، وهي ما رواه الشيخُ الطبرسيّ عن الإمامِ الصادق (ع) في أسئلةِ الزنديق الذي سأله عن مسائل، فممّا جاء فيه:«قال: فأخبرني عن المجوس، أفبعث الله إليهم نبيًّا؟ فإنّي أجد لهم كتبًا محكمةً، ومواعظَ بليغةً، وأمثالًا شافيةً، يُقرّون بالثوابِ والعقاب، ولهم شرائعُ يعملون بها.

قال (ع): ما من أمّةٍ إلّا خلا فيها نذير، وقد بعث إليهم نبيٌّ بكتابٍ من عند الله، فأنكروه وجحدوا كتابه.

قال: ومَن هو؟ فإنّ الناس يزعمون أنّه خالدُ بنُ سنان.

قال (ع): إنّ خالدًا كان عربيًّا بدويًّا، ما كان نبيًّا، وإنّما ذلك شيءٌ يقوله الناس».[الاحتجاج، ج٢، ص٩١].

ويمكن الجواب عنه بوجوه:

أحدها: أنّ الرواياتِ المثبتةَ لنبوّته أقوى وأكثر، فتكون هي المقدَّمة،

قال العلّامةُ المجلسيّ – بعد ذكره –: (الأخبارُ الدالّة على نبوّته أقوى وأكثر).[بحار الأنوار، ج١٤، ص٤٥٣].

وثانيها:ما ذكره السيّدُ الجزائريّ:(أقول: الأخبارُ الدالّة على نبوّته كثيرةٌ، ويمكن حمله على ما هو معتقدُ الزنديق، لأنّ مثلَه يُرد في الأجوبة كثيرًا).[النور المبين، ص٤٥٣].

وثالثها: أنّ سؤالَ الزنديق عن صحّةِ زعمِ الناس بكون خالدِ بنِ سنان هو النبيّ المرسل إلى المجوس بكتابٍ من عند الله تعالى، فجاء جوابُ الإمامِ في نفيِ ذلك، بأنّ خالدًا كان عربيًّا لا فارسيًّا، وأنّه ما كان نبيًّا – لهم –،وأنّ ذلك شيءٌ يقوله الناس، وحيث إنّ الإمامَ ينفي ما يزعمه الناسُ، فمن المحتمل أن يكون الأصلُ في العبارة: «ما كان نبيًّا [لهم]»، أي: للمجوس، و«إنّما ذلك» أي: أنّ النبيَّ المبعوثَ للمجوس «شيءٌ يقوله الناس»، وليس صحيحًا.

المقام الثاني: كلماتُ العلماء:

قال الشيخُ الصدوق:(وإنّما معنى الفترة أنّه لم يكن بينهما رسولٌ ولا نبيٌّ ولا وصيٌّ ظاهرٌ مشهور، كمَن كان قبلَه، وعلى ذلك دلّ الكتابُ المنزل أنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّدًا (ص) على حينِ فترةٍ من الرسل، لا من الأنبياءِ والأوصياء، ولكنْ قد كان بينه وبين عيسى (ع) أنبياءُ وأئمّةٌ مستورون خائفون، منهم: خالدُ بنُ سنان العبسيّ، نبيٌّ لا يدفعه دافع، ولا ينكره منكر، لتواطؤ الأخبارِ بذلك عن الخاصّ والعامّ، وشهرتِه عندهم، وأنّ ابنتَه أدركت رسولَ الله (ص) ودخلت عليه، فقال النبيّ: «هذه ابنةُ نبيٍّ ضيّعه قومُه، خالدُ بنُ سنان العبسيّ»، وكان بين مبعثه ومبعثِ نبيّنا محمّد (ص) خمسون سنة، وهو خالدُ بنُ سنان بنُ بعيث بنُ مريطة بنُ مخزوم بنُ مالك بنُ غالب بنُ قطيعة بنُ عبس، حدّثني بذلك جماعةٌ من أهلِ الفقهِ والعلم).[كمال الدين، ص٦٥٩].

وقال الشيخُ الطبرسيّ:({لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} يعني: قريشًا، إذْ لم يأتِهم نبيٌّ قبل نبيّنا (ص)،وإنْ أتى غيرُهم من قبائلِ العرب، مثل خالدِ بنِ سنان العبسيّ).[مجمع البيان، ج٨، ص٩٨].

وقال العلّامةُ المجلسيّ: (قوله (ع): «خالدُ بنُ سنان»؛ ذكروا أنّه كان في الفترة، واختلفوا في ثبوته، وهذا الخبرُ يدلّ على أنّه كان نبيًّا).[مرآة العقول، ج٢٦، ص٥٠٣]، وتقدّمت عبارته في البحار.

وتوجد كلماتٌ أخرى لعلمائنا، أعرضنا عن ذكرها، كما أعرضنا عن ذكرِ كلماتِ علماء العامّة، روْمًا للاختصار.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.