نُصرة الصحابة للإمام عليّ (ع) في حروبه

السؤال: نقل ابن تيميّة عن التابعيّ محمّد بن سيرين بسندٍ صحيح أنّه قال: (هاجت الفتنة وأصحاب النبيّ (ص) عشرة آلاف، فما حضرها منهم مئة، بل لم يبلغوا ثلاثين) [منهاج السُّنّة ج6 ص236]. آلاف الصحابة تركوا عليّ بن أبي طالب يقاتل وحده في حروبه فلم يُعينوه ولم ينصروه، لأحد أمرين لا ثالث لهما: ١ـ إمّا أنّهم كانوا لا يرونه أصلًا خليفةً شرعيًّا لهم. ٢ـ أو أنّهم كانوا يرونه مخطئًا وخارجًا لقتل المسلمين، وذلك حرام ولا يجوز. فلو أنّ الصحابة بايعوا عليًّا لكان من الواجب عليهم طاعته في الاستنفار للقتال، إلّا إن كانوا يرون هذا القتال معصية، فلا طاعة لمخلوقٍ في عصيان الخالق، فكيف يدّعي البعض الإجماع أنّ الحقّ مع عليّ؟!

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

أراد صاحب السؤال الطعن بالإمام عليّ (ع) بزعمِه قلّة ناصريه من أصحاب رسول الله (ص)، مستدلًّا بأثرٍ ذكره ابن تيميّة مرويّ عن ابن سيرين. وكأنّ فضل الإمام عليّ (ع) يُعرف بكثرة متّبعيه من الصحابة! وهذا وَهم، فالنصوص الصحيحة بيّنت منزلة الإمام عليّ (ع)، وأنّ الحقّ معه يدور معه حيث دار، كما في الحديث الصحيح، وكذلك دعاء النبيّ له يوم الغدير: «اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه»، صحّحه الألبانيّ [السلسلة الصحيحة ج6 ص1202].

الحقّ أنّ منزلة الصحابة تُعرف بقربهم من الإمام عليّ (ع)، قال الإمام (ع): «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأميّ إليّ أنّه لا يحبّني إلّا مؤمنٌ، ولا يُبغضني إلّا منافقٌ» [صحيح مسلم ج1 ص61].

مِمّا يردّ كلام ابن تيميّة الوارد في السؤال، هو نقولات تلميذه الذهبيّ عن المتقدّمين دون ردٍّ أو اعتراضٍ منه، حيث قال: (قال سعد بن إبراهيم الزُّهريّ: حدّثني رجلٌ من أسلم قال: «كنّا مع عليّ أربعة آلاف من أهل المدينة». وقال سعيد بن جبير: «كان مع عليّ يوم وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة مِمّن شهد بيعة الرّضوان». رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد. وقال المطّلب بن زياد، عن السّدّيّ: «شهد مع عليّ يوم الجمل مائة وثلاثون بدريًّا، وسبعمائة من أصحاب النبيّ (ص)، وقُتل بينهما ثلاثون ألفًا، لم تكن مقتلة أعظم منها») [تاريخ الإسلام ج3 ص488].

وروى الشيخ الطوسيّ بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: «شهد مع عليّ (ع) يوم الجمل ثمانون من أهل بدر، وألف وخمس مائة من أصحاب رسول الله (ص)» [الأمالي ص756، شرح الأخبار ج1 ص401].

وقال السيّد عليّ خان المدنيّ الشيرازيّ: (اعلم أنّ كثيرًا من الصحابة رجع إلى أمير المؤمنين (ع) وظهر له الحقّ بعد أن عانده، وتزلزل بعضهم في خلافة أبي بكر، وبعضهم في خلافته (ع)، وليس إلى استقصائهم جميعًا سبيل، وقد اتّفقت نقلة الأخبار على أنّ أكثر الصحابة كانوا معه (ع) في حروبه...) [الدرجات الرفيعة ص39].

لزيادة الفائدة، أذكر هنا بعض أسماء الصحابة الذين كانوا مع الإمام عليّ (ع) في حروبه، وقد ذكرتهم المصادر التاريخيّة المختلفة:

1ـ الإمام الحسن (ع).

2ـ الإمام الحسين (ع).

3ـ عمّار بن ياسر.

4 ـ خزيمة بن ثابت.

5 ـ محمّد بن أبي بكر.

6ـ مالك بن التيهان أبو الهيثم. قال البلاذريّ: (وحدّثني إسحاق الفرويّ، عن أبي الفضل الأنصاريّ قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: «حضر أبو الهيثم بن التيهان صفين، فلمّا رأى عمّاراً قد قتل قاتل حتّى قتل فصلّى عليه عليّ ودفنه» [أنساب الأشراف ج2 ص319، الاستيعاب ج3 ص486].

7ـ حجر بن عدي. [ينظر: المستدرك ج3 ص468، الإصابة ج1 ص32].

8ـ زيد بن أرقم. قال ابن حجر: (وشهد صفين مع عليّ) [الإصابة ج2 ص488].

9ـ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ. قال ابن عبد البرّ: (والصحيح أنّه أسلم قبل الفتح، وشهد حنيناً والطائف وتبوك، قاله الطبري وغيره، وكان له قدر وجلالة. قتل هو وأخوه عبد الرحمن بن بديل بصفّين) [الاستيعاب ج3 ص10].

10ـ النعمان بن العجلان.

11ـ ثابت بن قيس.

12ـ سليمان بن صرد الخزاعي. قال ابن حجر: (وقد روى عن النبيّ وعن عليّ... وكان خيراً فاضلاً، شهد صفين مع عليّ، وقتل حوشباً مبارزة) [الإصابة ج3 ص144].

13ـ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

14 ـ المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب [ينظر: وقعة صفين ص385].

15ـ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال، صحابيٌ جليلٌ. كان حامل لواء الإمام عليّ (ع) في صفين [ينظر: تاريخ خليفة العصفري ص145].

16ـ زفر بن يزيد الأسديّ [ينظر: أسد الغابة ج2 ص106، الإصابة ج2 ص525].

17 ـ أبو عمرة الأنصاريّ. قال أبو نعيم: (وقيل: عمرو بن محصن، من بني مازن ابن النجار، شهد بدراً وأحداً، وقتل مع عليّ بصفّين) [معرفة الصحابة ج4 ص516].

18ـ أبو فضالة البدري. قال ابن الأثير - بعد أن ترجم له ضمن الصحابة -: (وقتل أبو فضالة معه بصفّين سنة سبع وثلاثين) [أسد الغابة ج5 ص273].

19ـ جارية بن زيد. قال ابن عبد البر: (جارية بن زيد، ذكره ابن الكلبيّ فيمَن شهد صفّين من الصحابة (رض)) [الاستيعاب ج1 ص232].

20ـ عائذ بن سعيد بن زيد. قال ابن حجر - بعد أن روى عن المتقدّمين ملاقاته لرسول الله (ص) -: (قال البلاذريّ... وشهد عائذ الجمل وصفّين مع عليّ ومعه راية بني محارب، وشهد قبل ذلك القادسية وجلولاء، وبها ولد أيام الفتوح، وقتل بصفين) [الإصابة ج3 ص493].

21ـ الأسود بن عبس بن أسماء. قال ابن حجر: (وصحب النبيّ (ص)، وشهد مع علي صفين) [الإصابة ج1 ص227].

22ـ أسيد بن ثعلبة. قال ابن حجر: (أسيد بن ثعلبة الأنصاريّ، ذكر بن عبد البر أنّه شهد بدراً، وشهد صفّين مع عليّ) [الإصابة ج1 ص234].

23ـ الأشعث بن قيس. قال ابن حجر: (ثمّ شهد الأشعث اليرموك بالشام والقادسيّة وغيرها بالعراق، وسكن الكوفة، وشهد مع عليّ صفين، وله معه أخبار) [الإصابة ج1 ص240].

24ـ ثابت بن عبيد الأنصاريّ. قال ابن حجر: (شهد بدراً، ثمّ شهد صفّين، وقتل بها، ذكره أبو عمر) [الإصابة ج1 ص508].

25 ـ الحارث بن عمرو الأنصاريّ الخزرجيّ. قال ابن حجر: (ذكر ابن سعد أنّه شهد هو وأخوه سعد أحداً، وذكر ابن الكلبي أنّهما شهدا صفّين مع عليّ) [الإصابة ج1 ص680].

26 ـ الحجّاج بن عمرو الأنصاريّ الخزرجيّ. قال ابن حجر: (روى له أصحاب السنن حديثاً، صرّح بسماعه فيه من النبيّ (ص) في الحجّ. قال ابن المديني: هو الذي ضرب مروان يوم الدار حتّى سقط. وقال أبو نعيم: شهد صفّين مع عليّ) [الإصابة ج2 ص31].

27ـ سعد بن الحارث الأنصاريّ. قال ابن حجر: (قال ابن شاهين: له صحبة، وشهد صفّين مع عليّ. وقال الطبريّ: صحب النبيّ (ص)، وشهد مع عليّ صفّين، وقتل يومئذٍ) [الإصابة ج3 ص42].

28ـ سعد بن مسعود الثقفيّ - عمّ المختار بن أبي عبيد -. قال ابن حجر: (ذكره البخاريّ في الصحابة، وقال الطبرانيّ: له صحبة، وذكر أبو مخنف أنّ عليّاً ولّاه بعض عمله، ثمّ استصحبه معه إلى صفّين) [الإصابة ج3 ص70].

29ـ سهل بن حنيف الأنصاريّ البدريّ. قال ابن حجر: (وشهد أيضاً الخندق والمشاهد كلّها، واستخلفه عليّ على البصرة بعد الجمل، ثمّ شهد معه صفّين) [الإصابة ج3 ص166].

30ـ عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب. قال ابن حجر: (وذكر خليفة: أنّ عليّاً ولّاه البصرة، وكان على الميسرة يوم صفين) [الإصابة ج4 ص129].

31ـ عقيل بن أبي طالب. [ينظر: شرح الأخبار ج2 ص16].

32ـ نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب. [ينظر: شرح الأخبار ج2 ص17].

33ـ أبو رافع مولى رسول الله (ص). [ينظر: شرح الأخبار ج2 ص16].

هذه أسماء ثلاثة وثلاثون صحابيّاً حضروا صفّين، وقاتلوا نصرةً للإمام عليّ (ع)، خلافاً لِمَا ذهب إليه ابن تيميّة من أنّ الصحابة الذين نصروا عليّاً (ع) لم يبلغوا ثلاثين، علماً أنّ هؤلاء الذين سردتهم أمثلة اخترتهم من دون قصد استقصاء جميع الأسماء، وقد كان لعبيد الله بن أبي رافع كتاب (تسمية من شهد مع عليّ حروبه من الصحابة)، فيه أسماء عشرات الصحابة الذي شاركوا في صفّين، ذكر هذا الكتاب أو بعض مضامينه أكثر من واحد، منهم القاضي النعمان الإسماعيليّ [ت363هـ] في كتابه [شرح الأخبار ج2 ص16ـ36]، ونقل عنه ابن حجر في الإصابة.

في نهاية الجواب أخلص إلى الآتي:

1ـ أنّ الصحابة الذين قاتلوا مع عليّ (ع) بالمئات كما في نقولات الذهبيّ، وكما يشهد بذلك مراجعة كتب التاريخ والتراجم.

2ـ إنّ الحكم على الإمام عليّ (ع) وتخطئته كما في طيّات السؤال هو منطق أعوج؛ لأنّ الحقّ يُعرَف بعليّ (ع)، لا بكثرة مَن اتّبعه من الصحابة.

3ـ إنّ الذين خذلوا الإمام عليّ (ع) في حروبه ولم ينصروه يشملهم دعاء النبيّ للإمام عليّ (ع) يوم الغدير: «واخذل مَن خذله»، فهم مخذولون، ولا يضرّ الإمام خذلانهم له، بل هم مَن ابتعد عن الطريق السويِّ الذي به النجاة.