هل اعتمد الشيعة على السنة في علم الرجال؟

السؤال: كتب بعض المخالفين للشيعة: ممَّا يدلُّ على عدم وجود حركةٍ نقديَّةٍ للرواة في عصر الرواية عند الشيعة: اعتماد الشيعة على أناسٍ من خارج المنظومة الروائيَّة؛ لمعرفة بعض تفاصيل الرواة المشهورين عندهم، ومنه قول الطوسيّ في الرجال: (جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفيّ، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، على ما ذكر ابن حنبل. وقال يحيي بن مَعين: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة). فجابر من الرواة المشهورين عند الإمامية، ومع ذلك، يستعين الطوسيّ بابن حنبل وابن مَعين، لتعيين سنة وفاته!!! وعموماً هُم لا يهتمون أصلاً بمعرفة سنين وفاة الرواة، بخلاف أهل السُّنة». فما مدى دقة هذا الكلام؟

: فريق اللجنة العلمية

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

السائل المحترم / سلام عليكم

نسجِّل ملاحظاتنا على هذا المقال بالنقاط الآتية:

١- معلومات هذا المقال كافَّة لا تدلُّ على العنوان العريض الذي اختطَّه كاتبه، ولا على النتيجة التي استخلصها بمزاجه.

فإن استنتاجه ـ لو صحَّ، ولا يصحُّ ـ لا تفيده مقدماتُ استدلاله. وأقصى ما تفيده: أن الشيخ الطوسيّ أشار لتعدُّد الأقوال في تحديد وفاة جابر الجعفيّ.

وهذه قضيةٌ تاريخيَّةٌ جزئيَّةٌ، ترتبط بترجمة الراوي، ولا علاقة لها بجرحه وتعديله، الذي هو العمدة في قبول ورفض رواياته.

فالشيخ الطوسيّ، لم يعتمد على أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعين، في تقييم الراوي ورواياته أصلاً.

٢- لا يظهر من عبارة الشيخ الطوسيّ هذه أنَّه يستعين بابن حنبل وابن مَعين، لتعيين وفاة جابر الجعفيّ ـ كما يزعم الكاتب ـ بل يظهر أنه يشير لاختلاف الأقوال فيها، وهذا شيءٌ جرت عليه العادة في عالَم التراجم.

أساساً الطوسيّ أستاذٌ في الدرس المقارن، وكُتبه مشحونةٌ بسَرد المقولات ـ بالأخص كتابه الكبير (الخلاف) ـ فمجرد عرضه قولاً ما، لا يدلُّ على تبنِّيه له، ما لم يلتزم هو بذلك.

ولو تنازلنا جدلاً، وقلنا مثلاً: بأن الطوسيّ قد استعان بابن حنبل وابن مَعين، في هذه القضية التاريخيَّة ..

فالتاريخ مشاعٌ للناس، والمواليد والوفيات معلوماتٌ عامَّةٌ متاحةٌ للجميع، وليست حكراً على مذهبٍ معيَّنٍ، كما يريد هذا الكاتب تصويره للقرَّاء الكرام.

ثم الشيعة أرْيَحِيُّون حِواريُّون غيرُ متعصِّبين، لا يَرَوْنَ بأساً في التثاقُف مع الآخرين، فيما لو كانت معلوماتهم علميَّةً.

على أن جابراً الجعفيّ راوٍ مشترك ما بين الشيعة والسُّنة، فطبيعيٌّ جداً تشترك أقوال نقادهم فيه.

٣- قال الشيخ النجاشيُّ في ترجمة جابر الجعفيّ: (لقي أبا جعفر وأبا عبدالله (ع)، ومات في أيامه، سنة ثمان وعشرين ومائة) [رجال النجاشي ص١٢٨ ت٣٣٢].

لعل كاتب المقال غفل ـ أو تغافل ـ عن قول النجاشيّ في تعيين سنة وفاة جابر الجعفيّ، وليس النجاشيّ مَن يُهمَل كلامُه في تراجم الرواة وتواريخهم!

ولا سيَّما أن محاكمة الراوي ومرويَّاته تتطلب جمعَ كلامِ النقاد ـ بلا تجزئةٍ ولا انحياز ـ ومقارنته ودراسته بحيادية، لتكتمل الصورة النقديَّة بشكلٍ واضحٍ.

وللأسف، كاتب المقال اجتزأ من كلام نقاد الشيعة ما يريد ـ لحاجةٍ في نفسه ـ دون مراعاةٍ لأدنى شروط الموضوعية!

ثم لو سلَّمنا ـ ولا نسلِّم ـ بأن الشيخ الطوسيّ قد استعان بنقاد السُّنة هنا، فهذا لا يعمُّ كل نقاد الشيعة، إنما يخصُّ الطوسيّ وحده، وسائر نقاد الشيعة غيرُ ملزمين به. فبأيِّ دليلٍ يُلزم الكاتب عامة نقاد الشيعة بهذا؟!

٤- دعوى الكاتب: «أن الشيعة لا يهتمون أصلاً بمعرفة سنين وفاة الرواة، بخلاف أهل السُّنة» .. يفنِّدها حافظ أهل السُّنة ومؤرِّخهم الذهبي!

قال في مقدمة [تاريخ الإسلام ج١ ص١٠]: (ولم يعتنِ القدماءُ بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتكلوا على حِفظهم، فذهبتْ وفياتُ خَلقٍ من الأعيان، من الصحابة ومَن تبِعهم، إلى قريب زمان أبي عبدالله الشافعي، فكتَبنا أسماءهم على الطبقات تقريباً. ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعةً فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم. فلهذا حُفظت وفياتُ خَلقٍ من المجهولين، وجُهلت وفياتُ أئمةٍ من المعروفين. وأيضاً فإن عدةَ بلدانٍ لم يقع إلينا تواريخها، إما لكونها لم يؤرِّخ علماءَها أحدٌ من الحفاظ، أو جُمع لها تاريخ ولم يقع إلينا).

فاعتراف الذهبي صريحٌ بأن قدماء أهل السُّنة لم يعتنوا بضبط التواريخ كما ينبغي، حتى ضاعت وفياتُ خَلقٍ من أعيان الصحابة والتابعين، فاضطرَّ متأخِّروهم لتخمينها.

لدرجة حاولوا أن يرمِّموا هذا النقص، فضبطوا التواريخ بشكلٍ عشوائيٍّ، حَفِظَ لهم وفيات خَلقٍ من المجهولين، وأضاع منهم وفيات أئمةٍ من المعروفين.

وساهم في هذا النقص: عدم وجود تواريخ لعدَّة بلدان، إما لأنَّها لم تؤرَّخ أصلاً، أو لم تصِل تواريخها للمتأخرين، فجهلوا أو فقدوا وفيات علمائها.

فلينظر القارئ الحُر النبيه إلى البَوْن الشاسع بين: دعوى كاتب المقال، وشهادة إمام أهل السُّنة الذهبي، أيُّها حَق! التي تنطلق من هوى؟ أو التي تعبِّر عن معرفة؟

٥- زعمُ الكاتب: «اعتماد الشيعة على أناسٍ من خارج المنظومة الروائيَّة». يكشف عن جهله بأبجديات علم الرجال، وعدم اطِّلاعه على كُتب النقد السُّنية!

وذلك، لأن بعض نقاد السُّنة قد استفادوا من بعض نقاد الشيعة، في كثيرٍ من تراجم رواة الحديث ..

فمثلاً:

اعتمد الحافظ العسقلانيُّ في كتابه (لسان الميزان) كثيراً على أقوال الرجاليين الشيعة، واستفاد منهم في تراجمه، دون أدنى تشكيكٍ منه بها، فلقد ذكر:

* رجال الكشيّ: ٦١ مرة.

* ورجال علي بن الحكم: ٤٣ مرة.

* ورجال ابن أبي طَي: ٥٥ مرة.

* ورجال ابن بابويه: ٤٨ مرة.

* ورجال النجاشيّ: ٧٤ مرة.

* ورجال الطوسيّ: ٢٨٥ مرة.

* ورجال منتجب الدين: مرة.

بالنتيجة: هناك حوالي ٥٦٧ مورداً بالأقل، رجع العسقلانيُّ فيه إلى مصادر الشيعة الرجالية، وأفاد منها.

ومثلاً:

الحافظ ابن خِرَاش (ت٢٨٣هـ)، أحد قدماء نقاد الشيعة.

ترجمه من حفاظ السُّنة: ابن عدي في [الكامل ج٧ ص٢٦٣ ت١١٥٦]، والخطيب في [تاريخ بغداد ج١١ ص٥٧١ ت٥٣٥١]، وابن عساكر في [تاريخ دمشق ج٣٦ ص١٠٧ ت٣٩٩٩]، وابن الجوزيّ في [المنتظم ج١٢ ص٣٦٢ ت١٩٠٠]، والذهبيّ في [تاريخ الإسلام ج٦ ص٧٧٣ ت٣٣٤، وسير أعلام النبلاء ج١٣ ص٥٠٨ ت٢٥٣، وتذكرة الحفاظ ج٢ ص١٨٥ ت٧٠٥- ٥١/ ١٠، وميزان الاعتدال ج٢ ص٦٠٠ ت٥٠٠٩]، وابن كثير في [البداية والنهاية ج١٤ ص٦٦٥]، والعسقلانيّ في [لسان الميزان ج٥ ص١٤٩ ت٤٧٢١]، وابن العماد في [شذرات الذهب ج٣ ص٣٤٥].

عدَّه الحافظ الذهبيّ من النقاد المعتمَدين، في كتابه [ذِكرُ مَن يُعتمد قولُه في الجرح والتعديل ص١٩٩ ت٣٦٤]، ونصَّ في [ميزان الاعتدال ج٢ ص٦٠٠ ت٥٠٠٩]: (أنه رأى تاريخ ابن خِرَاش). وكذلك الحافظ السخاويّ في [فتح المغيث ج٤ ص٣٥٤، والإعلان بالتوبيخ ص٥١٩]، عدَّه ضمن المتكلِّمين في الرجال، وقال: (له مصنَّف في الجرح والتعديل).

هذا الحافظ الناقد الشيعيّ، احتجَّ بعض نقاد أهل السُّنة بأقواله في تراجم الرواة وجرحهم وتعديلهم ..

[أ] فالخطيب اعتمد آراءه النقديَّة، وذكره في تاريخ بغداد: ١٢٠ مرة. وكان يمتلك نسخةً من (كتاب تاريخ ابن خِرَاش)، كما في [موارد الخطيب البغداديّ للعُمَريّ: ص٣٥٦ ت١٦].

[ب] والحافظ ابن عساكر اعتمد آراءه النقديَّة، فذكره في تاريخ دمشق: ١٥٥ مرة. وكان يروي (كتاب ابن خِرَاش) عن شيوخه، عنه. كما في [موارد ابن عساكر في تاريخ دمشق للدَّعجاني ج٣ ص١٧١٨ ت٦٣٣].

[ج] والحافظ المِزيّ اعتمد آراءه النقديَّة، فذكره في تهذيب الكمال: ١٦٨ مرة. وكان ينقل من (تاريخ ابن خِرَاش)، كما في [الحافظ ابن خِرَاش وأقواله في الجرح والتعديل للفارسي ص١٨].

[د] والحافظ الذهبيّ اعتمد آراءه النقديَّة، فذكره في:

* سير أعلام النبلاء: ٦٦ مرة.

* وميزان الاعتدال: ٥٠ مرة.

* والتذهيب: ٤٩ مرة.

* وتاريخ الإسلام: ٤٤ مرة.

* والمغني: ٢٠ مرة.

* وتذكرة الحفاظ: ٥ مرات.

* ومن تكلِّم فيه وهو موثق: ٥ مرات.

* والديوان: مرتين.

* والكاشف: مرة.

* والعِبَر: مرة.

[هـ] والحافظ مُغْلَطاي اعتمد آراءه النقديَّة، فذكره في تكميل تهذيب الكمال: ٣٤ مرة.

[و] والحافظ ابن كثير اعتمد آراءه النقديَّة، فذكره في التكميل في الجرح والتعديل: ٤٠ مرة.

[ز] والحافظ العسقلانيّ اعتمد آراءه النقديَّة، فذكره في:

* تهذيب التهذيب: ١٦٩ مرة.

* ولسان الميزان: ١٨ مرة.

هذا، وربما يُشكِل الكاتب: بأن نقاد السُّنة قد اقتبسوا من نقاد الشيعة في تراجم رجالهم لا غير.

والجواب: لا فرق في الاعتماد بين هذا وذاك، فالنتيجة واحدةٌ. ثم إن نقاد السُّنة قد استفادوا من نقاد الشيعة، في تراجم كثيرٍ من الرواة الشيعة والسُّنة معاً.

أيطبِّق الكاتب دعواه بمقاله على نقاد السُّنة أيضاً؟! أم إنَّ معاييره مزدوجةٌ، ويتَّهم بها نقاد الشيعة فقط؟!

الخلاصة:

زعمُ الكاتب: أنَّ الشيعة يستندون إلى غيرهم بتقييماتهم، ولا يعتنون بتواريخ الرواة، وليس لديهم حركةٌ نقديَّةٌ..

مجرد كلامٍ فارغٍ ركيك، وليس له برهانٌ علميٌّ، ولا ضابط منهجيّ، ويكشف عن انعدام المنطق لدى كاتب المقال.