تقديم الذكر على الزبور مع تقدم الزبور زمانا

السؤال: لماذا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، جاء الذِّكر أسبق من الزَّبور، مع أنَّ الأخير سابقٌ زماناً على القرآن الكريم؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى أنَّ سؤال الأخ السائل يبتني على تفسير ﴿الذِّكْر﴾ بالقرآن الكريم حصراً، والحال أنَّ المفسِّرين وغيرهم مختلفون في ذلك، إذْ فُسِّر ﴿الذِّكْر﴾ بأنَّه جميع الكتب السماويَّة، وفُسِّر بأنَّه الذِّكر الموجود عند الله تعالى، وفُسِّر أيضاً بالتوراة، وقيل: إنَّه القرآن الكريم، وبذلك يتَّضح أنَّ تفسير ﴿الذِّكْر﴾ غير مختصٍّ بالقرآن الكريم.

1ـ فقد روى عليّ بن إبراهيم القمِّيّ (طاب ثراه) عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيه ما هذا نصُّه: (قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال: الكتب كلُّها ذِكر) [تفسير القمِّيّ ج2 ص ٧٧].

2ـ وروى الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بسندٍ صحيحٍ عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (أنَّه سأله عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ ما الزَّبور وما الذِّكر؟ قال: الذِّكر عند الله، والزَّبور الذي أُنزل على داوود، وكلُّ كتاب نزل فهو عند أهل العلم ونحن هم) [الكافي ج1 ص225].

3ـ وقال أبو جعفر الطبريّ ـ من العامَّة ـ: (اختلف أهل التأويل في ‌المعنيِّ ‌بالزَّبور والذِّكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: عُني بالزَّبور: كتب الأنبياء كلِّها التي أنزلها الله عليهم، وعُني بالذِّكر: أُمّ الكتاب التي عنده في السماء ... ثمَّ روى بسنده عن الأعمش، قال: «سألتُ سعيداً عن قول الله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾؟ قال: الذِّكر الذي في السماء». وروى ـ أيضاً ـ بسنده عن سعيد بن جبير، وفيه قوله: «﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال: الذِّكر الذي في السماء». ثمَّ قال: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك ما قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، ومن قال بقولهما في ذلك، من أنَّ معناه: ولقد كتبنا في الكتب من بعد أُمِّ الكتاب الذي كَتَبَ الله كلَّ ما هو كائن فيه قبل خلق السماوات والأرض) [يُنظر: تفسير الطبريّ ج16 ص431].

4ـ وقال الثعلبيّ ـ من العامَّة أيضاً ـ: (قيل (بعد) بمعنى (قبل) كقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي: من قبل الذِّكر، وهو القرآن) [الكشف والبيان ج10 ص128].

وانظر أيضاً: [الجامع لأحكام القرآن ج19 ص٢٠٥، اللُّباب في علوم الكتاب ج13 ص618، الإتقان في علوم القرآن ج1 ص٤٢٠، تفسير السراج المنير ج4 ص544]، وغيرها.

5ـ وقال الشيخ الطبرسيّ في الآية المباركة: (فيه أقوال: أحدها: إنَّ الزَّبور كتب الأنبياء، ومعناه: كتبنا في الكتب التي أنزلناها على الأنبياء من بعد كتابته في الذِّكر أي: أُمّ الكتاب الذي في السماء، وهو اللَّوح المحفوظ، عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد، وهو اختيار الزجّاج قال: لأنَّ الزَّبور والكتاب بمعنىً واحد، وزَبَرْت: كتبت. وثانيها: إنَّ الزَّبور الكتب المنزلة بعد التوراة، والذِّكر هو التوراة، عن ابن عبَّاس والضحّاك. وثالثها: إنَّ الزَّبور زَبُور داوود، والذِّكر توراة موسى، عن الشعبيّ. ورُوي عنه أيضاً: أنَّ الذِّكر القرآن. و(بَعْد): بمعنى (قبل)) [مجمع البيان ج7 ص119].

6ـ وقال الشيخ مكارم الشيرازيّ في الآية المباركة: (الذِّكر في الأصل يعني التذكير أو ما يسبّب التذكير والتذكُّر، واستُعملت هذه الكلمة في القرآن بهذا المعنى، وأُطلقت أحياناً على كتاب موسى السماويّ، كالآية (48) من سورة النساء.. واستُعملت أحياناً في شأن القرآن، كالآية (27) من سورة التكوير... ولذلك قال البعض: إنَّ المراد من الذِّكر ـ في الآية مورد البحث ـ هو القرآن، والزَّبور كلُّ كتب الأنبياء السابقين، أي: إنَّنا كتبنا في كلِّ كتب الأنبياء السابقين إضافةً إلى القرآن بأنَّ الصالحين سيرثون الأرض جميعاً. لكنَّ ملاحظة التعبيرات التي استُعملت في الآية توضِّح أنَّ المراد من ﴿الزَّبُور﴾ كتاب داوود، و﴿الذِّكْر﴾ بمعنى التوراة، ومع ملاحظة أنَّ الزَّبور كان بعد التوراة، فإنَّ تعبير (من بعد) حقيقيّ، وعلى هذا فإنَّ معنى الآية: إنَّنا كتبنا في الزَّبور بعد التوراة أنَّنا سنورث العباد الصالحين الأرض) [تفسير الأمثل ج10 ص256].

والمتحصَّل ممّا سبق: أنَّ كلمات المفسِّرين مختلفةٌ في معنى ﴿الذِّكْر﴾ الوارد في الآية المباركة؛ ولذلك فعلى جميع المعاني المذكورة ـ غير القرآن الكريم ـ لا يَرِدُ سؤال السائل؛ وذلك لابتنائه على تفسير الذِّكر بالقرآن كما قلنا.

تفسير الذِّكر بالقرآن:

وأمَّا لو قبلنا بتفسير كلمة ﴿الذِّكْر﴾ بالقرآن الكريم، فيُمكن أنْ يكون الوجه في تقديمه على الزَّبور من باب الأشرفيَّة، فإنَّ القرآن الكريم خاتم الكتب السماويَّة النازل على أشرف الأنبياء وخاتمهم، كما هو واضح.

أو بما قاله جمعٌ من علماء العامَّة والشيخ الطبرسيّ (طاب ثراه) من أنَّ كلمة (بعد) في الآية المباركة بمعنى (قبل)؛ ولذلك يكون المعنى حينئذٍ: ولقد كتبنا في الزَّبور من (قبل) القرآن الكريم أنَّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ ما ذكره المفسِّرون من تفسير كلمة (الذِّكر) ينفي أنْ يكون المراد منه هو القرآن الكريم، ومع القول بأنَّه القرآن الكريم فيكون التقدُّم فيه شرفيّاً، أو لما قاله الأعلام من أنَّ (بعد) بمعنى (قبل) .. والحمد لله ربِّ العالمين.