هل تولى أبو ذر أبا بكر وعمر؟
السؤال: روى العلَّامة المجلسيّ في البحار أنَّ أبا ذر قال لعثمان بن عفَّان: (ويحك يا عثمان، أما رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ورأيت أبا بكر وعمر، هل هديك كهديهم؟)، فهل يتولَّى أبو ذر ـ في هذا النص ـ أبا بكر وعمر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما رواه العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) عن الواقديّ، وفيه: (رأيتُ أبا ذر يوم دُخِل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلتَ وفعلتَ؟! فقال له أبو ذر: قد نصحتُك فاستغششتني، ونصحتُ صاحبك فاستغشَّني. فقال عثمان: كذبتَ! ولكنَّك تريد الفتنة وتحبُّها، قد قلبتَ الشام علينا. فقال له أبو ذر: اتَبع سنَّة صاحبيك، لا يكون لأحدٍ عليك كلام. فقال له عثمان: ما لك ولذلك لا أمَّ لك؟! فقال أبو ذر: والله ما وجدتُ لي عذراً إلَّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا عليَّ في هذا الشيخ الكذَّاب! إمَّا أنْ أضربه أو أحبسه أو أقتله، فإنَّه قد فرَّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من الأرض ... ثمَّ إنَّ عثمان حظر على الناس أنْ يقاعدوا أبا ذر ويكلِّموه، فمكث كذلك أياماً، ثمَّ أمر أنْ يُؤتى به، فلمَّا أُتي به ووقف بين يديه، قال: ويحك يا عثمان، أما رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ورأيت أبا بكر وعمر، هل رأيت هذا هديهم؟! إنَّك لتبطش في بطش جبَّار. فقال: اخرج عنا) [بحار الأنوار ج31 ص177].
وقد نقل هذا عن الواقديّ السيِّد المرتضى في [الشافي ج4 ص296]، والطوسيّ في [تلخيص الشافي ج4 ص117]، وابن أبي الحديد في [شرح نهج البلاغة ج3 ص56]، وغيرهم من الأعلام.
إذا بان هذا فلنا مع هذا النص المذكور عدَّة وقفات، نذكرها ضمن أمور:
الأمر الأوَّل:
إنَّ الناقل لهذا النص هو الواقديّ كما تقدَّم، ولم يُنقل عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) حتَّى يصح إلزامنا به، إذْ إنَّ الملزم لنا والحجَّة علينا هو ما صدر عن أئمَّتنا، وليس ما يصدر عن الواقديّ أو غيره من أهل السِّير والتواريخ، خصوصاً فيما يتنافى مع ما نؤمن به ونعتقد بصحَّته.
الأمر الثاني:
لو أعرضنا عمَّا تقدَّم، فإنَّ المرويَّ عن الواقديّ جاء بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين، وهو إسنادٌ مجهول الحال من الناحية الرجاليَّة؛ ولذلك فلا يصحُّ الأخذ به أو التعويل عليه.
الأمر الثالث:
ولو أعرضنا عن ذلك كلِّه وقبلنا بما رواه الواقديّ من كلام أبي ذر (رضوان الله عليه) مع عثمان، فإنَّ ذلك من باب إلزام الحجَّة على عثمان، الذي كان يعتقد بأحقيَّة سيرة الشيخين من قبله، وليس ناشئاً عن قناعة أبي ذر في هؤلاء، كما لا يخفى على العارف بسيرته ونهجه.
ولنذكر بعض الشواهد والأمثلة من عقيدة أبي ذر (رضوان الله عليه) في الحكَّام المتقدِّمين على حكم عثمان:
1 ـ روى الشيخ أبو الصلاح الحلبيّ (طاب ثراه) أنَّه لمَّا قُدِم بأبي ذر من الشام إلى عثمان، اتَّهمه عثمان وقال: (أيها الناس، إنَّه يقول: إنَّه خيرٌ من أبي بكر وعمر! قال أبو ذر: أجل، أنا أقول ذلك، لقد رأيتني رابع أربعة مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ما أسلم غيرنا، وما أسلم أبو بكر ولا عمر، ولقد ولَّيا وما وُلِّيتُ، ولقد ماتا وإنِّي لحيّ. فقال عليّ (عليه السلام): والله لقد رأيتُه وإنَّه لرابع الإسلام. فردَّ عثمان ذلك على عليٍّ (عليه السلام)، وكان بينهما كلام، فقال عثمان: والله لقد هممتُ به، قال عليٌّ (عليه السلام): وأنا والله لأهمُّ بك. فقام عثمان ودخل بيته، وتفرَّق الناس) [تقريب المعارف ص268، بحار الأنوار ج31 ص276] وغيرهما من المصادر.
2 ـ وروى المحدِّث الشيخ يوسف بن حاتم الشاميّ (طاب ثراه)، وفيه: (فانطلق القوم حتَّى أحدقوا بالمنبر، وكان يوم الجمعة، فلمَّا صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار: قوموا وتكلَّموا ... إلى قوله: وقام أبو ذر (رحمة الله عليه) فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معاشر قريش، قد علمتم وعلم أخياركم أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: «الأمر بعدي لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ثمَّ الأئمَّة من ولد الحسين (عليهم السلام)». فتركتُم قوله، وتناسيتُم وصيَّته، واتبعتُم أمر الدنيا الفانية، وتركتُم أمر الآخرة الباقية، وكذلك الأمم كفرت بعد إيمانها، وجحدت بعد عرفانها، حذو النعل بالنعل، وعمّا قليلٍ تذوقون وبال أمركم بما قدَّمت أيديكم، وما ربُّك بظلَّامٍ للعبيد، ثمَّ جلس) [الدر النظيم ص442، نهج الإيمان لابن جبر ص580، كتاب الأربعين للشيرازيّ ص238] وغيرها من المصادر الكثيرة.
بل كلُّ من عَلِم أحوال أبي ذر (رضوان الله عليه) يعلم موقفه من عثمان ومن تقدَّمه من الحكَّام، الأمر الذي يجعلنا على قناعةٍ كاملةٍ بأنَّ ما صدر منه من باب الإلزام لعثمان، الذي كان يعتقد بسيرة وسنَّة الشيخين قبله.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك:
أنَّ هذا النص المنقول ـ لو سلَّمنا بصدوره وصحَّته ـ فقد ذُكِر من باب الإلزام لعثمان، وليس من باب الالتزام من قبل أبي ذر الغفاريّ، كما هو واضحٌ.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق