هل العطاس شهادة حق وصدق؟

السؤال: من المضحكات عند الشيعة أنَّ العطاس شهادة حقٍّ صادقة، كما يروون ذلك في أخبارهم وكتبهم؟

: الشيخ نهاد الفياض

 الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل البدء لا بدَّ أنْ يُعلم أنَّ الإيمان بالله تعالى وبرسالة النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) يفرض على المؤمن أنْ يكون في مقام التلقّي والقبول لكلّ ما يبلّغه النبيّ (ص) من خبرٍ أو بيان؛ لأنَّ نبوّته قائمةٌ على العصمة والوحي، وما ينطق به إنَّما هو حقٌّ لا يشوبه باطل. ومن هنا، فإنَّ ما يُروى عن النبيّ الأكرم في شأن العطاس ـ باعتباره علامةً على صدق المتكلّم ـ لا يصحُّ أنْ يُقابل بالاستهزاء أو الاستنكار، بل الأولى أنْ يُتلقّى بروح التصديق والتسليم، انسجامًا مع مقتضيات الإيمان الصادق.

وليس في هذا المضمون ما يُثير غرابةً أو يُوجب نكارةً، بل هو قريبٌ إلى الفهم السليم والعقل المستقيم، إذْ لا يُستبعد أنْ يجعل الله لبعض الظواهر الطبيعيّة إشاراتٍ ومعاني تؤيّد الحقّ بوجهٍ من الوجوه، وإذا كان الله تعالى قد جعل للكون سننًا وإشاراتٍ لا تنفكّ عن حكمته، فلا غرابة أنْ يكون العطاس علامةً أو شاهدًا على صدق الكلام والمتكلّم، كما لا يخفى.

هذا، والجدير بالذكر أنَّ هذه الروايات الواردة في شأن العطاس لم ينفرد بها الخاصّة فقط، بل نُقلت في مصادر المسلمين قاطبة، ممّا يمنحها بعدًا مشتركًا ويؤكّد رسوخها في الذاكرة الدينيّة عند الأمّة. وعليه، فإنَّ النظر إليها بعين السخريّة يتنافى مع ما يقتضيه مقام النبيّ من التعظيم والتبجيل، بل الواجب أنْ تُحمل على محمل الجدّ، وأن تُفهم في سياقها الدينيّ الذي يجعل المؤمن أكثر طمأنينةً بصدق ما يصدر عنه (صلَّى الله عليه وآله).

إذا بان هذا التمهيد فلنذكر بعض الروايات المرويّة في هذا الشأن.

روايات العامّة:

1ـ روى أبو يعلى الموصليّ بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من حدَّث ‌حديثًا ‌فعطس عنده فهو حقّ» [مسند أبي يعلى ج8 ص503]. ورواه آخرون أيضًا [يُنظر: حديث أبي الطيب الحورانيّ ص107، الفوائد لتمام بن محمَّد الدمشقيّ ج2 ص16، تاريخ دمشق ج71 ص195، المقصد العليّ للهيثميّ ج3 ص53، إتحاف الخيرة المهرة للبوصيريّ ج6 ص143، المطالب العالية لابن حجر ج11 ص505]، وغيرها من المصادر.

وقال النوويّ:(مسألة: هذا الذي يقوله الناس عند الحديث إذا عطس إنسان: إنّه تصديقٌ للحديث هل له أصلٌ أم لا؟ الجواب: نعم، له أصلٌ أصيلٌ، روى أبو يعلى الموصليّ في مسنده بإسنادٍ جيّد حسن عن أبي هريرة ... إلى قوله: كلّ رجال إسناده ثقاتٌ متقنون، إلَّا بقية بن الوليد فمختلفٌ فيه، وأكثر الحفّاظ والأئمّة يحتجّون بروايته عن الشاميّين، وهو يروي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشاميّ)[فتاوى النوويّ ص72، الأذكار له أيضًا ص447، وانظر: فتاوى الرمليّ ج4 ص212].

2ـ وروى الطبرانيّ بسنده عن أنس قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم):«‌أصدق ‌الحديث ‌ما ‌عُطس ‌عنده»[المعجم الأوسط ج3 ص346].ورواه آخرون أيضًا [يُنظر: ذخيرة الحفّاظ للمقدسيّ ج1 ص409، التخريج الصغير لابن المبرد ج3 ص161، الفتح الكبير للسيوطيّ ج1 ص179، كنز العمّال ج9 ص160، فيض القدير ج2 ص532، كشف الخفاء للعجلونيّ ج1 ص131]، وغيرها من المصادر.

وقال السيوطيّ بعد هذا الحديث: (طس، عن أنس، وإسناده جيّد). وقوله (طس) يرمز به للطبرانيّ في المعجم الأوسط [يُنظر: جمع الجوامع ج1 ص660، وج24 ص243].

3ـ وروى الحكيم الترمذيّ عن عمر بن الخطّاب أنّه قال:

«‌لعطسةٌ ‌واحدةٌ ‌عند ‌حديث أحبُّ إليَّ من شاهد عدلٍ»[نوادر الأصول ج3 ص6]. ورواه آخرون أيضًا [يُنظر: جمع الجوامع للسيوطيّ ج15 ص552، كنز العمّال ج9 ص228، المداوي للغماريّ ج6 ص257].

روايات الخاصّة:

1ـ روى الكلينيّ (طاب ثراه) بسندٍ معتبرٍ عن السكونيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):

«تصديق الحديث عند العطاس»[أصول الكافي ج٢ ص٦٥٧].

2ـ وروى أيضًا (طاب ثراه) بسندٍ معتبر عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):

«إذا كان الرجل يتحدَّث بحديثٍ فعطس عاطسٌ فهو شاهد حقّ» [أصول الكافي ج٢ ص٦٥٧].

3ـ وروى أيضًا (طاب ثراه) بسنده عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):«تصديق الحديث عند العطاس» [أصول الكافي ج٢ ص٦٥٧].

قال المولى المازندرانيّ (طاب ثراه):(لعلّ السر فيه: أنّ العطسة رحمة من الله تعالى للعبد، ويُستبعد نزول الرحمة في مجلس يُكذب فيه، خصوصًا عند صدور الكذب، فإذا قارنت الحديث دلّت على صدقه)[شرح أصول الكافي ج11 ص131].

والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك: أنَّه لا داعي للاستهزاء والسخريّة من هذه الروايات المرويّة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عند العامّة والخاصّة، خصوصًا وأنَّ مضمونها لا يختلف عن الكثير من الروايات الإسلاميّة، والحمد لله ربِّ العالمين.