هل جميع الدول العربيّة كافرة؟
السؤال: جميع الدول العربيّة والإسلاميّة كافرة؛ لأنّ الله قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِماَ أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، من يحكم بما أنزل الله اليوم؟
الجواب:
ممّا لا شكّ فيه أنّ الله حكم بالكفر والظلم والفسق على من حكم بغير ما أنزل الله، وذلك في سورة المائدة الآية 44 و47، وهي قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ لَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ويقول في الآية 47: {وَلْيَحْكُم أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
هناك مجموعة من الملاحظات تقرّبنا من فهم الآيات:
الملاحظة الأولى:
جاءت الآيات مطلقةً، فالخطاب - وإنْ كان موجّهًا لأهل الكتاب - إلّا أنّ الحكم بالكفر والظلم والفسق يشمل المسلمين أيضًا إذا هم حكموا بغير ما أنزل الله تعالى، يقول السيّد الطباطبائيّ: (وقد كرّر الله سبحانه هذه الكلمة للتشديد ثلاث مرّات: مرّتين في أمر اليهود، ومرّة في أمر النصارى باختلاف يسير فقال:{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}،{فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، فسجّل عليهم الكفر والظلم والفسق... ثم يقول: والآيات الثلاث مطلقة لا تختصّ بقوم دون قوم، وإن انطبقت على أهل الكتاب في هذا المقام) [تفسير الميزان ج5 ص348].
الملاحظة الثانية:
الآيات تؤكّد حقيقة واحدة، وهي ضرورة الحكم بين الناس بالحقّ والابتعاد عن الهوى، يقول تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]،وقد أوصى الله داوُد (ع) بذلك في قوله تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].
فالضلال عن سبيل الله بكلّ أشكاله يستوجب الكفر أو الظلم أو الفسق، وهذا ليس مختصرًا على السلطان الذي لا يحكم بما أنزل الله، وإنّما يشمل جميع المكلّفين وفي أيّ موقع كانوا وفي أيّ أمرٍ حكموا فيه بغير ما أنزل الله.
ففي الحديث عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:
«مَن حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عزّ وجلّ فهو كافر بالله العظيم»[الكافي ج7 ص408].
وعن أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر (ع):«مَن أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه» [الكافي ج7 ص409].
الملاحظة الثالثة:
مع أنّ الموضوع واحدٌ وهو (من لم يحكم بما أنزل الله)، إلّا أنّ الحكم المترتّب عليه ليس واحدًا، فالآية تارة تصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر، وأخرى تصفه بالظلم، وثالثة تصفه بالفسق، ولا يمكن فهم هذا الاختلاف، إلّا إذا قلنا: إنّ الكفر والظلم والفسق مترادفات، وهذا بعيد حتّى وإن كان مؤدّاها واحدًا.
أو قلنا: إنّ هناك خصوصيّةً في كلّ حالةٍ استوجبت وصفًا يختلف عن وصف الحالة الأخرى.
وهذا ما أشار إليه السيّد الطباطبائيّ بقوله: (وقد اختلف المفسّرون في معنى كفر من لم يحكم بما أنزل الله، كالقاضي يقضي بغير ما أنزل الله، والحاكم يحكم على خلاف ما أنزل الله، والمبتدع يستنّ بغير السنّة، وهي مسألة فقهيّة. الحقّ فيها أنّ المخالفة لحكم شرعيّ أو لأيّ أمر ثابت في الدين في صورة العلم بثبوته والرّدّ له توجب الكفر، وفي صورة العلم بثبوته مع عدم الرّدّ له توجب الفسق، وفي صورة عدم العلم بثبوته مع الرّدّ له لا توجب كفرًا ولا فسقًا؛ لكونه قصورًا يُعذر فيه، إلّا أن يكون قصّر في شيء من مقدّماته، وليراجع في ذلك كتب الفقه) [تفسير الميزان ج5 ص348].
الملاحظة الرابعة:
حدّدت الآيات من له صلاحيّة الحكم، وهم النبيّون والعلماء الربّانيّون والأحبار، بما استُحفظوا من كتاب الله.
وحدّدت الآيات أيضًا معيار الاستقامة في الحكم، وهي الخشية من الله وعدم الخشية من الناس، وأن لا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا.
وعليه، لا شكّ في كفر الطاغوت المستكبر الذي لا يُراعي الله ورسوله، ويجاهر بالفسق والجور والعدوان، يقول تعالى:{فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].
وقد حرّم الإسلام الاحتكام لدى هؤلاء الحكّام، ففي الحديث عن عمر بن حنظلة قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال (ع): مَن تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له به فإنّما يأخذ سُحتًا وإنْ كان حقّه ثابتًا له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا، وعرف حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكمًا، فإنّي قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا رَدّ، والرادّ علينا رادّ على الله، وهو على حدِّ الشرك بالله» [الكافي ج1 ص67، ج7 ص412، تهذيب الأحكام ج6 ص218].
الملاحظة الخامسة:
الكفر قد يكون في العقيدة، كمَن يكفر بالله أو بالرسول أو باليوم الآخر، ومن يكون كفره في العقيدة يُحكم بنجاسته ويُخلّد في نار جهنّم.
وقد يكون الكفر في العمل، مثل من يترك الصلاة أو الصوم أو الحجّ أو غير ذلك، فإذا كان تركه لها من باب الإنكار لوجوبها واعتراضًا على الله ورسوله، فإنّ ذلك يكون كافرًا، وكفره يعود إلى الكفر في العقيدة، حاله في ذلك حال من أنكر الله ورسوله.
أمّا إذا تركها تهاونًا وتكاسلًا من غير أن يُنكر وجوبها، فهو فاسق يُحاسب على تقصيره، ولا يُخلّد في النار، ولا يُحكم بنجاسته.
والحال نفسه ينطبق على من يحكم بغير ما أنزل الله، فإن كان ذلك بسبب إنكاره لحكم الله واعتقاده بأنّ غير حكم الله هو الحقّ والصواب، فإنّ كفره يكون كالكفر في العقيدة.
أمّا إذا كان تركه لحكم الله بسبب الجهل، أو بسبب تصوّره الخاطئ بأنّ القوانين الوضعيّة أكثر توافقًا مع العصر، فإنّ هذا يكون كفره ككفر من ترك الصلاة تهاونًا.
وفي المحصّلة: حذّر الله المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه اليهود والنصارى من ترك حكم الله واتباع الهوى والشهوات، وما يؤسف له أنّ الأمّة التفّت حول الطواغيت والظلمة، وتركَت أئمّة الهدى من أهل البيت الذين طهّرهم الله وأذهب عنهم الرجس، فلا يستقيم حال الأمّة إلّا بالرجوع إلى الأئمّة من أهل البيت مباشرة، أو عن طريق الفقهاء والعلماء الذين هم حجّة بيننا وبينهم.
اترك تعليق