لماذا لم يشارك سليم بن قيس في واقعة كربلاء؟
لماذا لم يشارك سليم بن قيس الهلاليّ صاحب الكتاب المعروف في واقعة كربلاء، والمعروف أنه عاصر خمسةً من الأئمة (عليهم السلام)؟
الجواب:
يمكن توسيع السؤال ليشمل شخصيّاتٍ شيعيّةً كثيرةً لم تشارك في ملحمة كربلاء، كالصحابي أبي الطفيل، وكميل بن زياد، وسليمان بن صرد الخزاعيّ والمختار الثقفيّ، وإبراهيم الأشتر،، وغيرهم من كبار الشيعة.
وبمراجعة كتب التاريخ لا نجد ذكراً لسليم بن قيس في تلك الفترة، ولا نعلم محلّ سكناه آنذاك، ولا ظروف حياته، وهل كان مسافراً أو مريضاً أو بعيداً عن الحجاز.
لعلّ ما ذكره السيّد ابن طاوس [ت664هـ] يرفع الغموض عن عدم مشاركة سليم بن قيس وغيره أحداث كربلاء.
قال السيد ابن طاووس - نقلاً عن كتاب أبي مخنف [ت157هـ] -: (قال أبو مخنف (ره)... وفى ذلك الوقت كانت ولاية المصرَينِ -البصرة والكوفة - بيد عبيد الله بن زياد الملعون الفاجر، وكان يزيد الملعون أوصاه أنْ يقيم بالبصرة ستّة أشهر وبالكوفة ستّة أشهر. فلمّا هلك (لع) كان ابن زياد الملعون بالبصرة، وكان في حبسه أربعة آلاف وخمسمائة رجلٍ من التوّابين من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبطاله وجاهدوا معه، وكانوا في حبس ابن زياد الملعون من أيّام معاوية، ولم يكن لهم سبيلٌ إلى نصرة الحسين (عليه السلام)؛ لأنهم كانوا مقيّدين مغلولين بالحبس، وكانوا يُطعمون يوماً، ويوماً لا يُطعمون، وهم بالكوفة، فلمّا جاء البريد إلى الكوفة بخبر هلاك يزيد (لعنه الله) وكان ابن زياد الملعون في ذلك الوقت بالبصرة، فلمّا شاع هلاك يزيد (لع) وثبوا على دار ابن زياد ونهبوا أمواله وخيله، وقتلوا غلمانه، وكسروا حبسه، وأخرجوا منه الأربعة آلاف وخمسمائة رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، منهم: سليمان بن صرد الخزاعيّ، وإبراهيم بن مالك الأشتر...) [اللهوف في قتلى الطفوف ص153] .
ومن المحتمل أنّ سليم بن قيس كان محبوساً في سجن ابن زياد آنذاك، فهو من خلّص شيعة أمير المؤمنين (ع)، بل هو من أوليائه كما في ترجمته، فكيف يتركه ابن زياد حرّاً؟ فالحجاج طارده حتّى مات سنة [75هـ] وهو هارب متخفٍ في بيت أبان بن أبي عياش.
وينبغي ملاحظة كثرة المسجونين لدى ابن زياد، حيث كانوا أربعة آلاف وخمسمائة من الأصحاب.
نقل السيّد ابن طاوس هذه الوثيقة عن كتاب أبي مخنف، وأبو مخنف مؤرّخ ثقة.
قال الشيخ النجاشيّ في ترجمته: (أبو مخنف: شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكَن إلى ما يرويه) [رجال النجاشيّ ص320]، وطريق ابن طاوس إلى أبي مخنف يمرّ عبر جدّه الشيخ الطوسيّ، وطريق الشيخ الطوسي إليه صحيح، قال السيّد الخوئيّ: (وكيف كان، فهو ثقة، مسكون إلى روايته على ما عرفت من النجاشي. وطريق الشيخ إليه صحيح) [معجم رجال الحديث ج15 ص142].
يبقى إشكالٌ في اعتبار كلام المؤرّخ أبي مخنف، وهو الإرسال، فقد توفّي سنة [157هـ]. ولكنّ هذا الإشكال يهون إذا ما عرفنا أنّه قريب العهد بتلك الأحداث، والرجل روى خبراً تاريخيّاً، لا يشترط فيه صحّة السند، كما أنّه مسكون إلى روايته كما مرّ.
فهذه الوثيقة قد تجيب عن السؤال المطروح، ويبقى الجواب الحقيقيّ في عهدة التاريخ الذي لم يصلنا.
اترك تعليق