هل كان دانيال من الأنبياءِ؟
السؤال: هل كان دانيال من أنبياءِ بني إسرائيل أم كان عبداً صالحاً، وهل تصحُّ الرواية القائلة بأنَّه عصى ربَّه أربع مرَّاتٍ في زمن داوود (عليه السلام)؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
للجواب عن هذا السؤال نتكلَّم في مقامَين:
المقام الأوَّل: في نبوَّة دانيال.
المعروف بين الأعلام أنَّ دانيال (عليه السلام) كان من جملة أنبياءِ الله تعالى، وقد دلَّ على ذلك جملةٌ من الروايات، نذكر منها:
1ـ ما رواه الكلينيّ (طاب ثراه) بسندٍ معتبر عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): «أكرموا الخبز، فإنَّه قد عُمل فيه ما بين العرش إلى الأرض وما فيها من كثيرٍ من خلقه، ثمَّ قال لمن حوله: ألا أخبركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فداك الآباء والأمهات، فقال: إنَّه كان نبيٌّ فيمَن كان قبلكم يُقال له دانيال، وإنَّه أعطى صاحبَ معبَرٍ رغيفاً لكي يعبُر به، فرمى صاحبُ المعبَرِ بالرغيف، وقال: ما أصنعُ بالخبز، هذا الخبز عندنا قد يُداس بالأرجل، فلمَّا رأى ذلك منه دانيال رفع يدَه إلى السماء ثمَّ قال: اللهم أكرم الخبز، فقد رأيتَ يا ربِّ ما صنع هذا العبد وما قال. قال: فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إلى السماءِ أنْ احبِسي الغيث، وأوحى إلى الأرض أنْ كوني طبقاً كالفخَّار. قال: فلم يُمطَروا حتَّى أنَّه بلغ من أمرهم أنَّ بعضَهم أكل بعضاً، فلمَّا بلغ منهم ما أراد الله (عزَّ وجلَّ) من ذلك قالت امرأةٌ لأخرى ولهما ولدان: يا فلانة، تعالي حتَّى نأكل أنا وأنتِ اليومَ ولدي، وإذا كان غداً أكلنا ولدكِ، قالت لها: نعم، فأكلتاه، فلمَّا أنْ جاعتا من بعد راودت الأخرى على أكل ولدِها فامتنعت عليها، فقالت لها: بيني وبينك نبيُّ الله، فاختصما إلى دانيال (عليه السلام)، فقال لهما: وقد بلغ الأمر إلى ما أرى؟ قالتا له: نعم يا نبيَّ الله، وأشدّ. قال: فرفع يدَه إلى السماء فقال: اللهم عُدْ علينا بفضلك وفضل رحمتك، ولا تعاقب الأطفالَ ومَن فيه خيرٌ بذنبِ صاحب المعبَر وأضرابه لنعمتك. قال: فأمر الله (عزَّ وجلَّ) السماء أنْ أمطري على الأرض، وأمر الأرض أنْ أنبتي لخلقي ما قد فاتهم من خيرك، فإنِّي قد رحمتُهم بالطفل الصغير» [الكافي ج6 ص302].
2ـ وما رواه أيضاً (طاب ثراه) بسنده عن أبي حمزة، عن عليِّ بن الحسين (عليه السلام) قال: «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفكِ المهَج وخوض اللُّجَج، إنَّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال أنَّ أمقتَ عبيدي إليَّ الجاهلَ المُستخفَّ بحقِّ أهل العلم، التاركَ للاقتداء بهم، وأنَّ أحبَّ عبيدي إليَّ التقيَّ الطالبَ للثواب الجزيل، اللازمَ للعلماء، التابعَ للحلماء، القابلَ عن الحكماء» [الكافي ج1 ص35].
3ـ وما رواه الثقة ابن شهر آشوب (طاب ثراه) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثٍ قال: «الله أكبر، أنا أوَّل من فرَّق الشهود بعد دانيال النبيّ» [مناقب آل أبي طالب ج2 ص193].
4ـ وما قاله أبو الفتح الكراجكيّ (طاب ثراه): «...ثمَّ إنَّه قد اشتهر بين العلماء، من جملةِ الأنبياءِ (عليهم السلام) دانيال وشُعياء وإرميا» [الرسالة العلويَّة ص79]. إلى غير ذلك ممَّا يُشير إلى هذا المعنى.
المقام الثاني: في معصية دانيال.
روى الكلينيّ بسندٍ معتبر عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
«إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أوحى إلى داوود (عليه السلام) أنِ ائتِ عبدي دانيال فقل له: إنَّك عصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتَني فغفرتُ لك، فإنْ أنت عصيتَني الرابعة لم أغفرْ لك.
فأتاه داوود (عليه السلام) فقال: يا دانيال، إنِّي رسولُ الله إليك، وهو يقول لك: إنَّك عصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتَني فغفرتُ لك، فإنْ أنت عصيتَني الرابعة لم أغفرْ لك.
فقال له دانيال: قد أبلغتَ يا نبيَّ الله.
فلمَّا كان في السحر قام دانيال فناجى ربَّه، فقال: يا ربِّ، إنَّ داوود نبيَّك أخبرني عنك أنَّني قد عصيتُك فغفرتَ لي، وعصيتُك فغفرتَ لي، وعصيتُك فغفرتَ لي، وأخبرني عنك أنَّني إنْ عصيتُك الرابعة لم تغفرْ لي، فوعزَّتك لئن لم تعصمني لأعصينَّك، ثمَّ لأعصينَّك، ثمَّ لأعصينَّك» [الكافي ج2 ص435].
ويُمكن أنْ يُقال فيه: إنَّ ظاهر هذا يتنافى مع ما نعتقد من عصمةِ الأنبياءِ (عليهم السلام)، ولذلك فلا بدَّ من حمله على ترك الأولى، الذي لا يتنافى مع العصمة، نظير قوله تعالى في حقِّ آدم (عليه السلام): ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:121]، وغيره من الأنبياءِ، حيث حمله الأعلام على ترك الأولى، لمكان العصمة فيهم.
وقد نبَّه على هذا أيضاً العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) في تعليقه على الحديث، فقال:
«الحديث الحادي عشر: حسنٌ كالصحيح. والعصيانُ محمولٌ على ترك الأولى، لأنَّ دانيال (عليه السلام) كان من الأنبياء، وهم معصومون من الكبائر والصغائر عندنا كما مرَّ. وقوله: «لئن لم تعصمني لأعصينَّك» فيه ـ مع الإقرار بالتقصير ـ اعترافٌ بالعجز عن مقاومة النفس وأهوائها، وحثٌّ على التوسُّل بذيل الألطاف الربَّانية، والاستعاذة من التسويلات النفسيَّة والوساوس الشيطانيَّة» [مرآة العقول ج11 ص305].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك:
أنَّ نبوَّة دانيال (عليه السلام) ثابتةٌ بالأدلَّة الكثيرة، وأنَّ ما ورد في الرواية من معصيةٍ لا يُقصد به الذنب بمعناه الحقيقي، بل هو من قبيل ترك الأولى لما نعتقد من عصمة الأنبياء كافَّة.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق