استعمال «لسان الحال» في المصيبة الحسينيَّة

السؤال: ينسب كثيرٌ من الخطباء والشعراء أشياء إلى أهل البيت (ع) لم ترد في المصادر، ويسمونه بـ «لسان الحال»، أليس لسان الحال من الكذب؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيدك الله – أنّ ما يذكره خطباء وشعراء المنبر الحسينيّ من سرد المصيبة الحسينيَّة فإنهم يستخدمون طريقتين مختلفتين:

الأولى هي ما يُعبر عنها بــ «لسان المقال»، حيث يستندون في الخطاب الحسينيّ إلى ما كُتب في كتب السير والمقاتل.

والثانية هي ما يُعبر عنها بــ «لسان الحال»، التي لا يُعتمد فيه على النصوص، بل يُعبَّر عن المشاعر الحقيقيَّة التي حدثت في واقعة الطف، بأسلوبٍ فنيٍّ يخلق صوراً حيّة في أذهان المستمعين، سواء في الخطابة أو الشعر، على سبيل المثال، عندما نقول إنَّ الإمام (عليه السلام) كان يشعر بعطشٍ شديدٍ، كأنَّه يقول: «لقد تفطّر كبدي من شدَّة العطش»، فهو رغم أنَّه لم يُعبِّر عن ذلك بشكلٍ مباشرٍ إلَّا أنَّه صوَّر العطش بطريقةٍ تُحرّك مشاعر المتلقّي.

هذا الاستخدام أصبح شائعاً جدّاً بين الخطباء والشعراء في المنبر الحسينيّ؛ لذا وقع الكلام في مشروعيّة هذا الأُسلوب بين المنع والجواز بين فقهاء الطائفة المُحقَّة، فبعض الفقهاء يرون أنَّ هذا يُعتبر نوعاً من الكذب والدَّس، وذهب آخرون، كالسَّيِّد الخوئيّ وأكثر تلامذته إلى الجواز، فلا يرون أنَّه نوعٌ من الكذب إذا توفرت فيه شروطٌ نُلخّصها بما يأتي:

الشرط الأوَّل: أن يكون تصويراً لأمر حاصل بصورة فنيَّة، وليس من وحي الخيال، وإلَّا كان كذباً واختلاقاً.

الشرط الثاني: نصب القرينة الدالَّة على أنَّ ما يُخبر به الشاعر أو الخطيب يُعبّر عن حال المُخبر عنه، كما لو كان يقول: «قال بلسان الحال» أو «فأجاب بلسان الحال» أو «كأنّي به يقول..» أو «وكأنَّه فعل كذا»، وغير ذلك من العبارات الدالَّة على إرادة لسان الحال، بحيث تجعل المتلقّي يعلم أنَّ هذا القول بلسان الحال، لا بلسان المقال، كما في قصيدة الشاعر دعبل الخزاعيّ حيث قال: «أَفَاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ...»، فقد أورد كلمة (لو) دلالةً لفظيَّةً على كون التصوير لسان حالها (ع).

الشرط الثالث: أن يكون التصوير بعيداً عن الخيال والمبالغة، وإلَّا كان كذباً.

الشرط الرابع: أن يكون التصوير مناسباً لشأن الإمام (ع)، فلو نَقل الخطيب أو الشاعر لسان حال الإمام (ع)، ما يَمسّ بمقام المعصوم، بل حتَّى غير المعصوم من الذين لهم منزلة، كان ذلك كذباً ممنوعاً.

الشرط الخامس: أن يكون الخطيب أو الشاعر مطّلعاً على الحوادث التأريخيَّة والشخصيَّة للواقعة، أو الشخص الذي ينطق بلسان حاله.

والجدير ب أن نذكر فتاوى السيِّدين الجليلين الخوئيّ والسيستانيّ في هذا الموضوع:

فتوى السيِّد أبو القاسم الخوئيّ الموسويّ (قدس سرّه):

(السؤال: بعض القصائد التي تُذكر في مصيبة سيِّد الشهداء (عليه السلام) تُنسب للإمام الحسين (عليه السلام)، أو لزينب (عليها السلام)، أو للإمام السجَّاد (عليه السلام)، دون الإشارة إلى أنَّ هذه الأبيات عن لسان حالهم. نعم، بعض الناس يعرف كون ذلك عن لسان الحال، وبعضهم الآخر لا يعرف ذلك، فما هو الحكم؟

الجواب:

باسمه تعالى: لا بأس، ما لم يُقصد واقع النسبة إليهم) [صراط النجاة ج٢ ص٤٤٣].

فتوى السيِّد عليّ الحسينيّ السيستانيّ (دام ظلّه):

(السؤال: هل يجوز التكلُّم بلسان المعصومين (عليهم السلام) بالقصائد الحسينيَّة، بحيث الكاتب يُطلق عنان خياله في تصوير الأحداث، واختلاق الكلام والمواقف؟ وهل يجوز تداولها بين المؤمنين؟

الجواب:

باسمه تعالى: إنَّما يجوز التكلُّم بلسان حال المعصومين، فيما يُعتبر تمثيلاً صادقاً لأحوالهم ـ وفق المعايير الأدبيَّة المتعارفة في أمثال ذلك ـ من دون إساءة إلى مقامهم الشريف، ومن ثَمَّ يجب على المتكلّم بلسان الحال من الاطّلاع على الحوادث التأريخيَّة، واستنطاق أحوالهم من خلالها، لتجسيدها بصورةٍ أدبيَّةٍ مناسبةٍ، بعيداً عمَّا يُعتبر من قبيل المبالغة والاختلاق، والكذب بالمقياس الأوَّلي، كما أنَّ جواز تداولها يخضع للمقاييس التي أشرنا إليها)

[موقع السيِّد السيستانيّ الرسميّ، أسئلة حول الشعائر].

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.