لماذا تأخّر خلق الإنسان في هذا الكون الهائل؟

السؤال: عمر الكون ١٣ مليار عام، وعمر الأرض ٤ مليار عام، وعمر الإنسان العاقل ٣٠٠ ألف عام فقط! فالسؤال هنا: لماذا الإله خلق الكون وانتظر مليارات السنوات حتى خلق الأرض، وانتظر أكثر من مليار سنة حتى خلق الإنسان؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

أول ما ينبغي توضيحه أنَّ الله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن الخضوع للزمان والمكان؛ فهو خالق الزمان والمكان وليس خاضعاً لهما، فعند الله كل الأزمنة حاضرةٌ بعلمه وضمن قدرته، فلا يُقال في حقّه قبل وبعد، ومن هنا لا معنى أنْ يُقال بأنَّ الله "انتظر" مليارات السنين حتى يخلق الأرض أو الإنسان، فالانتظار مفهومٌ بشريٌّ مرتبطٌ بالعجز والزمان، بينما الله سبحانه غنيّ عن ذلك.

ثم إنَّه لا يمكننا القطع بأنَّ الأرض كانت فارغةً من أيّ تجربة قبل وجود الإنسان العاقل، بل قد تكون هناك شواهد وقرائن من القرآن والروايات على وجود تجارب سابقة، فمثلاً قول الملائكة حين أخبرهم الله بخلافة آدم في الأرض: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]، يصلح أن يكون قرينة على أنَّ لهم علماً سابقاً بأنَّ كائناتٍ ما قد وُجدت على الأرض وأفسدت فيها وسفكت الدماء، بل هناك رواياتٌ أشارت إلى وجود عوالم سابقةٍ على آدم عليه السلام، مثل رواية الإمام الباقر عليه السلام قال: «لقد خلق الله عزَّ وجلَّ في الأرض منذ خلقها سبعةَ عالمين ليسوا من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض، فأسكنهم فيها واحداً بعد واحدٍ مع عالمه، ثم خلق الله عزَّ وجلَّ أبا هذا البشر وخلق ذريته منه..» [الخصال ص٣٥٩].

وعليه، ليس من الصحيح افتراض أنَّ الكون ظلّ "معلّقاً" أو أنَّ الأرض ظلّت من غير دورٍ حتى جاء الإنسان، بل هي مراحل ضمن سياقٍ إلهيٍّ ممتد.

وحتى لو تجاوزنا النقطة السابقة، فإنَّ المليارات من السنين التي سبقت الإنسان لا يمكن افتراضها زمناً ضائعاً، بل كانت جزءاً من التهيئة الكونيَّة لظهور الحياة العاقلة، فلو لم تُخلق النجوم الأولى وتنفجر لتبعث بعناصرها الثقيلة كالحديد والكربون والنيتروجين، لما تكوّنت الكواكب الصالحة للحياة. ولو لم تمرّ الأرض بدوراتٍ جيولوجيَّةٍ طويلة، لما صارت بيئةً مناسبة. كلًُّ هذا الزمن الطويل ليس وقتاً ضائعاً، بل هو شرط تكوّن النظام البيئيّ والكونيّ الذي جعله الله أساساً لوجود الإنسان، وبعبارةٍ أخرى، إنَّ الكون كلّه بما فيه من نجومٍ ومجرّاتٍ وأرضٍ ومحيطٍ، كان تمهيداً ليكون الإنسان محورَ التكليف وموضعَ الخلافة الإلهيَّة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. فكلّ ما مضى كان إعداداً للحظة التي يصبح فيها هذا الكائن قادراً على حمل الأمانة.

وفي منطق الدين، السؤال الحقيقيّ ليس "كم استغرق خلق الإنسان؟" بل "لماذا خُلق الإنسان؟". الغاية هي الأساس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. هذا هو الذي يعطي للوجود قيمته، ويحوّل التاريخ الكونيَّ الطويل إلى مقدّمةٍ ضروريَّةٍ لظهور الغاية.

وفي المحصّلة، فإنَّ عبارة "انتظار الله" تنمّ عن إسقاطٍ بشريّ لا يليق بالله، والقول بأنَّ الإنسان جاء متأخّراً لا ينقض الحكمة من خلقه. بل على العكس، كلّ هذا الامتداد الكونيّ إنّما يؤكّد أنَّه خُلق لغايةٍ عظيمة، ووجود الإنسان فيه ليس حالةً منفصلة، بل جزءٌ من سياقٍ مترابطٍ ضمن خطّةٍ إلهيَّةٍ محكمةٍ منذ البداية.