هل الخلاف مع الأئمّة (ع) اجتهاديّ؟
السؤال: ينظر أهل السنّة إلى مخالفات بعض الصحابة وعلمائهم؛ كأبي حنيفة ومالك بن أنس لأئمّة أهل البيت (ع) على أنّها مخالفاتٌ اجتهاديَّةٌ بحتة، شأنها شأن سائر الاختلافات التي تقع بين العلماء، وعليه يكون المخالف لهم في اجتهاده مأجوراً مرّتين إنْ أصاب، ومرةً واحدةً إنْ أخفق وجانب الصواب، بينما يعتبر الشيعيّ أنّ هذه المخالفات بمثابة انحرافٍ وضلالٍ؛ فلِمَ لا يكون نظر الشيعة لهذه المخالفات من ذات المنظور السنّيّ؟!
الجواب:
إنّ تصوير السنّة لمخالفة أهل البيت (ع) بهذا الشكل إنّما هو مبنيٌّ على رؤيتهم ومعتقدهم فيهم (ع) المحرّر في علم الكلام، إذْ ينظرون إليهم على أنّهم مجرّد علماء أتقياء، لهم اجتهادٌ في الدِّين كسائر علماء المسلمين، بيد أنّهم يتميّزون عن غيرهم بعِلمهم الذاخر، وحسبهم المنيف، ونسبهم الشريف، وقربهم من رسول الله (ص)؛ وبناءً على ذلك يعتبرون مخالفة بعض الصحابة أو علمائهم لأهل البيت (ع) من قبيل الاختلاف في الاجتهاد الذي يحصل وبشكلٍ طبيعيٍّ بين العلماء.
لكن نحن نعتقد أنّ رؤيتهم هذه تجاه أهل البيت (ع) غير صحيحة، وفيها من الإجحاف الكثير، ومنقوضةٌ بما تقرّر من أدلّة الإمامة المبحوثة في محلّها، فنحن نعتقد – تبعاً لتلك الأدلّة المحكمة والنصوص الشرعيَّة الشريفة؛ كآية الولاية، وحديث الغدير، وحديثي الثقلين والسفينة الثابتين عن رسول الله (ص) عند عامّة المسلمين – أنّ الله تبارك وتعالى بحكمته ولطفه قد جعل لأهل البيت (ع) فضلاً عن مقام الوصاية والقيمومة على أمّة نبيّه (ص) أيضاً مقام الوصاية والقيمومة على سنّته ودينه من بعده؛ يحفظونه من التحريف، ويبيّنون ما غمُض منه، ويفصّلون ما أُجمل فيه.
فهم ليسوا كسائر علماء المسلمين، لهم اجتهادهم الخاصّ في الدِّين، بحيث يكون الاختلاف عنهم كسائر الاختلافات الواقعة بين العلماء، كما يحاول أهل السنّة تصوير الأمر، بل إنّ أهل البيت (ع) إلى جانب القرآن الكريم هم الممثّلون الشرعيّون والوحيدون للإسلام، والمعبّرون عن الدِّين والشريعة وموقف النبيّ (ص) وسنّته بجعلٍ من الله تبارك وتعالى، وإنّ الهدى رهنُ اتباعهما؛ أي: القرآن الكريم وأهل البيت (ع)، والأخذ منهما، والتمسّك بهما معاً، والضلال والتيه والهلاك والغرق في الافتراق عنهما، أو عن أحدهما؛ وهذه التوصيفات صادرةٌ عن نفس النبيّ (ص) في مثل حديثي الثقلين والسفينة، وليست من التعصّب أو الخروج عن الموضوعيَّة في نقد أفكار الآخرين.
وعلى هذا الضوء، تكون مخالفة أهل البيت (ع) من مخالفة الدِّين والانحراف عنه والابتداع فيه الموجب للضلال والتيه والشقاق والانحدار والفشل، وليست من الاجتهاد؛ لأنّ الاجتهاد لا يكون في قبال النصِّ الدينيّ الواضح، بل في ضمن الدِّين لأجل فهمه. وبهذا نرجو أن يكون قد اتّضح لكم أساس الخلاف بين الفريقين في مَن يخالف أهل البيت (ع).
اترك تعليق