هل كان ابن الجُنيد يعمل بالقياس الممنوع؟

السؤال: تقولون بحرمة القياس وانعقاد الإجماع على ذلك، فكيف كان ابن الجُنيد يعمل بالقياس؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

لا إشكال عند الإماميَّة أنّ استعمال الرأي في الدِّين، ومنه القياس – الذي يقوم على تسرية حكم موضوعٍٍ معلومٍ حكمُه من جهة الشارع إلى موضوعٍ آخر مجهولٍ حكمُه بدعوى تشابه الموضوعين في علَّة الحكم – باطلٌ محرَّم؛ للروايات الكثيرة الناهية عن أئمَّة الهدى (ع)، وهي تقارب الخمسمائة روايةً – كما ذكر بعض الأعلام [ينظر: مصباح الأصول ج3 ص196]. وعلى ذلك إجماع علماء الطائفة المحقَّة من المتقدّمين والمتأخّرين.

وممّا ورد في النهي عن مطلق العمل بالرأي والقياس: ما رواه البُرقيّ بسنده عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «فمن طلب ما عند الله بقياسٍ ورأيٍ لم يزدد من الله إلّا بُعداً». وقوله (ع) – حين لقي أبا حنيفة وكان قد بلغه عمله بالقياس –: «ويحك إنَّ أوّل من قاس إبليس لمّا أمره بالسجود لآدم، قال: خلقتني من نارٍ وخلقته من طين». وجوابه (ع) لابن شُبرُمة حين سأله عن العمل بالرأي والقياس – وكان من قضاة العراق من أصحاب الرأي والقياس –: «إنَّ عليّاً (ع) أبى أن يدخل في دين الله الرأي وأن يقول في شيءٍ من دين الله بالرأي والمقاييس». [المحاسن ج1 ص209ـ211].

فإذا عرفت ذلك، فمما نُسب إلى محمّد بن أحمد بن الجُنيد الإسكافيّ (رحمه الله) – وهو أحد علمائنا الأقدمين الأجلاء – هو القول بالقياس، وأنَّه صنّف كتاباً في الدفاع عمّا ذهب إليه أسماه: «كشف التمويه والإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس» [ينظر: رجال النجاشيّ ص387، الفهرست ص209].

ويُلاحظ عليه عدّة أمور:

الأوّل: القياس على أنواع:

بعضه ممنوعٌ؛ كالقياس المتقدّم ذكره في التمهيد وهو المعنى المقصود في الروايات الناهية، والذي اشتهر به أبو حنيفة وابن شبرمة وغيرهما من أصحاب الرأي والقياس آنذاك، وهو مبنيٌّ على التخرّص ومن ضروب العمل بالرأي.

وبعضه ليس كذلك؛ كقياس الأوْلويَّة، والمنصوص العلَّة، وتعدية الحكم عن مورد النصّ بدليلٍ قطعيٍّ المعروف عند المتأخّرين بـ «تنقيح المناط»، فهذا ممّا قام الدليل على حجيَّته وإن خالف في بعضه البعض، وهو من القياس بالمعنى الأعمّ، وليس من العمل بالرأي.

ولعلَّ الذي قال به ابن الجُنيد هو هذه الأقيسة التي تشبه القياس الممنوع، لكنَّها ليست منه؛ إذ لا يمكن لنا القطع بأنَّ الذي ذهب إليه هو المعنى المنهيّ عنه؛ لأنَّه لم تَصلْنا آثاره إلّا بعض آرائه الفقهيَّة المخالفة للفتاوى المشهورة بين فقهائنا، التي اعتنى الفقهاء الحلِّيّون بنقلها في بعض مصنّفاتهم، كابن إدريس في السرائر، والمحقّق في المعتبر، والعلّامة في مختلف الشيعة [ينظر: الفوائد الرجاليَّة ج3 ص210]. كما لم يذكر لنا مَن ترجم له أمثلةً عن القياس الذي ذهب إليه.

نعم، ذُكر في ترجمة الشيخ المفيد (رحمه الله) أنّه صنّف كتاباً في الردّ على ابن الجُنيد، وسمّاه: «النقض على ابن الجُنيد في اجتهاد الرأي» [ينظر: رجال النجاشيّ ص402]. وحاول بعضهم التمسّك بذلك لإثبات ذهاب ابن الجُنيد إلى المعنى المحظور من القياس.

لكن يُردّ عليه: أنّ الكتاب لم يَصلْنا فلسنا واقفين على محلّ الخلاف فعلاً؛ إذ كما يُحتمل هذا الاحتمال يُحتمل أيضاً أن يكون كتابه في الردّ على ابن الجُنيد هو في بعض الأقيسة غير الممنوعة؛ كقياس منصوص العلَّة؛ لاعتقادٍ منه أنّه من ضروب العمل بالرأي ومن القياس الممنوع، فقد اختُلِف في ذلك، وممّن ذهب إلى كونه من القياس الممنوع – لعدم تحقّق صُغراه – السيّد المرتضى (رحمه الله) في [الذريعة ج2 ص289ـ290]. وعليه لا يكون مجرّد معرفتنا بوجود كتابٍ للشيخ المفيد في الردّ على ابن الجُنيد دليلاً على ذهابه إلى القياس الممنوع.

الثاني: لقد توسّع جملة من الفقهاء المتقدّمين في مفهوم القياس الممنوع والرأي، وهم غالباً كانوا من المستأنسين بالأخبار، فعدّوا أشياء كثيرة من القياس المنهيّ عنه ومن ضروب العمل بالرأي، إلّا أنّها ليست من ذلك بشيء، منها: الأقيسة التي مرّت الإشارة إليها، ومنها: إعمال النظر والتدقيق في النصوص غير الواضحة للجميع والتي تحتاج إلى تدبّرٍ سواء في مفرداتها اللغويَّة، أو تشكيل جملها، أو هيئاتها التركيبيَّة. ومن هنا كان يُنسب العمل بالرأي والقياس إلى مَن يُلاحظ منهم ذلك ويتعرّض للتشنيع، ويُعتبر كلّ فتوى متوقّفة على ذلك هي من القول بالرأي. وقد تكون نسبة العمل بالقياس المنهيّ عنه إلى ابن الجُنيد من هذا القبيل، ولهذا نظائر؛ فقد نُسب – ولذات النكتة – بعض الأخباريّين إلى الأصوليّين العمل بالرأي والقياس وألّفوا في ذلك كتباً.

ثمّ الذي دعانا إلى حمل ابن الجُنيد على هذه المحامل الحسنة هو جلالة قدره وعدالته ووثاقته التي أطبق عليها المتقدّمون والمتأخّرون، وشهرة حرمة العمل بالقياس والرأي التي لا تخفى عليه، حتّى عُدّ ذلك من ضروريَّات المذهب عند أقلّ المحصّلين فضلاً عن أحدٍ كابن الجُنيد.

والثالث: على التسليم بذهاب ابن الجُنيد إلى القياس الممنوع، وأنَّه ممّا زلّ فيه قدمه، فهذا لا يُخرجه عن المذهب بدعوى مخالفته للضروريّ، أو يُسقط من عدالته، أو يقدح في وثاقته؛ إذ لا جرم أنّ ما ذهب إليه لم يكن عن تعمّدٍ بالمخالفة، إنّما هو لاشتباهٍ حصل عنده، كأن يكون قد اعتمد على بعض الروايات التي ممكن أن يُتوهَّم منها جواز العمل بالقياس، نظير ما رواه الطبرسيّ عن الإمام الرضا (ع): «ما جاءك عنّا فقِسْه على كتاب الله عزّ وجلّ وأحاديثنا، فإنْ كان يُشبههما فهو منّا، وإنْ لم يُشبههما فليس منّا» [الاحتجاج ج2 ص108]. وهذه الرواية وإن لم تَصلْنا بطريقٍ صحيحٍ، ولكن قد تكون وأشباهها وصلت إلى ابن الجُنيد بطريقٍ صحيح، فتوهّم منها حجيَّة القياس، ثمّ حمله طريق الجمع بينها وبين الروايات الناهية إلى القول بأنّ النهي مختصّ بعوامّ الشيعة وغير المختصّين دون المتضلّعين منهم؛ على غرار النهي الصادر عنهم (ع) في الكلام.

وما يؤكّد عدم تعمّده في ذلك: هو ما تقدّم من تسميته كتابه في القياس بـ «كشف التمويه والإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس»، ما يعني أنّه كان يرى وجود غموضٍ والتباسٍ في الأمر، وأنّه كشفه لمن وصفهم بالأغمار، أي: الأغرار الذين لا خبرة لهم.

وأخيراً ينبغي التنبيه على أنّ مخالفة ابن الجُنيد لا تضرّ في ثبوت حرمة القياس وانعقاد الإجماع على ذلك، ولبيان ذلك نقول:

على فرض القول بذهاب ابن الجُنيد إلى القياس الممنوع، فإنّ مخالفته لا تضرّ في ثبوت حرمة العمل بالقياس المتقدّم ومطلق الرأي؛ لما عرفت: من أنّ المستند في البين هو الروايات الكثيرة الناهية عن أئمَّة الهدى (ع).

كما لا تضرّ مخالفته في انعقاد الإجماع على ذلك؛ لأنّ الإجماع – عندنا – لا حجيَّة له في نفسه، لا من قريبٍ ولا بعيدٍ، وإنّما الحجيَّة لخصوص ما كان منه كاشفاً إنَّاً وبشكلٍ قطعيٍّ عن موقف المعصوم، فهو ملحقٌ بالسنّة، وإذا كان كذلك لا يضرّ في انعقاده مخالفة البعض ما دام المنعقد كاشفاً بالفعل عن موقف المعصوم [ينظر: أصول المظفّر ج3 ص111]، خصوصاً إذا كان المخالف كثير المخالفة لما تسالم عليه الفقهاء، أو كان ممّن لا يُعتدّ برأيه كثيراً، أو كان معلوم سبب مخالفته؛ كالتأثّر بفقه العامّة، أو الاعتماد على الروايات الشاذّة، أو غير ذلك من الأسباب، فمثل هذا لا تكون مخالفته منظوراً إليها أصلاً، فضلاً عن أن تكون مؤثّرةً في انعقاد الإجماع.

ويمكن مراجعة ما كتبه السيّد محمّد مهدي بحر العلوم (طاب ثراه) في [الفوائد الرجاليَّة ج3 ص205ـ225]، والسيّد أبو القاسم الخوئيّ (طاب ثراه) في [معجم رجال الحديث ج15 ص332ـ337]، وما جاء في تقريرات بحث السيّد عليّ السيستانيّ (دام ظلّه) المنشور بعنوان [مباحث الحجج ص279ـ295].