هل تنقض أحكام النساء الحاجة إلى الإمام؟
السؤال: إنَّ عليّاً لم يكن مع الرسول دائماً حتى يروي كلَّ شيء، فمثلاً أحكام النساء الخاصة، الناس لم يكونوا يأخذون من علي بهذه الأمور، لقد أبطلت حاجتنا إلى الإمامة في نقل الوحي.
الجواب:
أوَّلاً: هذا الاعتراض يخلط بين أمرين مختلفين؛ فهناك فرقٌ بين المرافقة المكانية للنبيّ وبين المقام العلميّ الذي يمنحه لشخصٍ ما، فليس المطلوب من الصحابة أنْ يكونوا ملازمين جسديّاً للرسول في كلّ لحظة، وإنَّما كان النبيّ يكلّف بعضهم بمهماتٍ خاصةٍ تتعلّق بالتبليغ والتعليم ونقل معارفه، ومن الثابت في المصادر المعتبرة أنَّ النبيّ خصّ عليّاً (عليه السلام) بعلمٍ لم يخص به غيره، وجعله مستودع أسراره العلميَّة والدينيَّة، فقال له: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبيّ بعدي". فكما كان هارون وزير موسى ووصيَّه، كان عليٌّ وصيّ رسول الله وعالماً بكتاب الله وسنته.
ثانياً: أمَّا ما يُقال عن أحكام النساء الخاصة فهو في حقيقته مغالطةٌ بيّنة؛ لأنَّه يستبطن القول بأنَّ النبيّ أوكل ذلك للنساء وحدهنَّ، وهذا ظاهر البطلان، فقد كان النبيّ بنفسه يبيّن ذلك لجميع المسلمين، ولذا فإنَّ الكثير من هذه الأحكام لم يقتصر نقلها على النساء، بل رُويت عن الرجال أيضاً، وقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) مرجعاً في هذه القضايا، يُفتي في مسائل الطهارة والحيض والنكاح والطلاق، ورويت عنه في كتب السنَّة والشيعة عشرات الأحاديث في هذا الباب، ممَّا يثبت أنَّ علمه شاملٌ لهذه التفاصيل وأنَّه لم يكن بحاجةٍ لتعلُّم ذلك بواسطة النساء.
وما يؤكّد ذلك حادثة المرأة التي وضعت بعد ستة أشهر، فأراد بعضهم رجمها، ولكنَّ عليّاً منع ذلك وبيّن أنَّ أقل الحمل ستة أشهر، وبيّن ذلك من الجمع بين قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)، وقوله: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، فهذا شاهدٌ عمليٌّ على أنَّ الإمام كان مرجعاً في هذه القضايا.
ثالثاً: وحتَّى لو سلَّمنا جدلاً بأنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) لم يطّلع على بعض التفاصيل الخاصة بالنساء، فهل يعني ذلك سقوط الحاجة إلى الإمامة؟! بالطبع لا، لأنَّ الإمامة ليست مجرَّد عمليَّة جمعٍٍٍ للروايات، وإنَّما هي مقامٌ إلهيٌّ يقوم على العصمة والهداية والقدرة على تمييز الصحيح من الباطل، والمسلمون بحاجةٍ إلى إمامٍ معصومٍ يحفظهم من الاختلاف والانحراف في تفسير الوحي وتأويل معانيه، وقد اختص عليٌّ بهذا المقام بشهادة جميع الصحابة، وقد قال عمر بن الخطاب في ذلك: "لولا عليٌّ لهلك عمر".
وفي المحصَّلة، فإنَّ حصر الإمامة في مجرَّد "نقل الروايات" تبسيطٌ مُخلٌّ لمفهومها؛ فالإمام ليس مجرَّد ناقلٍ بديلٍ عن النساء أو الصحابة، بل هو المرجعيَّة العُليا التي تجمع النصوص وتفسرها بالحق وتمنع اختلاف الأمَّة عليها، إنَّ الاعتراض القائل "بعض الأحكام نقلتها النساء فلا حاجة إلى الإمام" أشبه ما يكون بمن يقول: "بما أنَّ الناس يملكون نصوص القوانين، فما حاجتهم إلى القاضي؟" أو بمن يظن أنَّ امتلاك الأدوية يُغني عن وجود الطبيب. النصوص وحدها لا تكفي، وإنَّما لا بدَّ من المرجع المعصوم الذي يضمن حُسن الفهم وصواب التطبيق.
اترك تعليق