لماذا يُؤمر الخلق بغضّ أبصارهم عند مرور الزهراء (عليها السلام) يوم القيامة؟

السؤال: في محاضرةٍ لأحدهم يقول فيها ما معناه: (يحكوا على المنبر: فاطمة تأتي يوم القيامة وينادي المنادي غضّوا أبصاركم. شو هي بلا ثياب؟ وين رايحين؟ ليش في تكليف هونيك حتى نغضّ الأبصار؟) ما الردّ على مثل هذه التخرصات؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

هذا الاعتراض مبنيٌّ على فهم ساذج للرواية، إذْ يتصوّر المعترض أنَّ قول الإمام: «غضّوا أبصاركم ونكّسوا رؤوسكم» لا يكون إلَّا عند انكشاف البدن، فرفض الرواية بدعوى أنَّها تعني مرور الزهراء (عليها السلام) يوم المحشر بغير ستر.

بينما غضّ البصر في لغة العرب لا يرتبط حصراً بستر العورة، بل يُستعمل كثيراً بمعنى الإطراق خضوعاً وهيبةً، كما يُقال: غضّ فلان طرفه، أي خفّض بصره تواضعاً أو احتراماً، لا لأنَّه رأى ما لا يجوز.

فالمراد من الغضّ والنكس هنا هو علامة الهيبة إذا كان المقام مقام أدبٍ واحترام.

قال تعالى:

﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨].

وبالمثل، لا يكون قول الإمام: «غضّوا أبصاركم» إشارة إلى كشف العورة – والعياذ بالله – بل هو تعبيرٌ عن تعظيم مقام الزهراء (عليها السلام) وفرض الهيبة على الخلائق حين تمرّ، حتّى لا يتجرّأ أحدٌ أنْ يرفع بصره في حضرة تجلَّت فيها كرامة الله لأوليائه.

ثمَّ إنَّ الروايات الأخرى نفسها تصف بوضوح أنَّ الزهراء (عليها السلام) تأتي يوم القيامة محفوفةً بالملائكة، محجّبةً بحجابٍ من نورٍ، يسبقها النداء بتعظيمها.

ففي روايةٍ طويلةٍ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جاء فيها: «.. قد أخبرني جبرئيل عن الله عزَّ وجلَّ أنَّه قال: أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة أنا، ثمَّ أبي إبراهيم، ثمَّ بعلك عليّ بن أبي طالب، ثم يبعث الله إليك جبرئيل في سبعين ألف ملك، فيضرب على قبرك سبع قباب من نور، ثم يأتيك إسرافيل بثلاث حلل من نور، فيقف عند رأسك فيناديك: يا فاطمة بنت محمّد، قومي إلى محشرك، فتقومين آمنة روعتك، مستورة عورتك، فيناولك إسرافيل الحلل فتلبسينها، ويأتيك زوفائيل بنجيبة من نور، زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محفّة من ذهب، فتركبينها، ويقود زوفائيل بزمامها، وبين يديك سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التسبيح...» [تفسير فرات ص٤٤٥].

إذن، فالمغالطة في الاعتراض ناشئةٌ من قراءة الرواية بعينٍ ماديّةٍ دنيويّة، بينما النصوص نفسها تؤكّد أنَّها في مقامٍ نورانيٍّ مهيبٍ، محجوبةٍ بالحجاب الإلهيّ، ومكرَّمةٍ بالملائكة والأنوار.

والغضّ هنا ليس لأنَّ جسدها مكشوف – والعياذ بالله – وإنَّما لأنَّه مقامٌ فرض الله فيه على الخلائق جميعاً أنْ يخضعوا تعظيماً وإجلالاً لسيِّدة نساء العالمين.