لماذا يحتاج الله إلى وسائط بينما يوسوس الشيطان مباشرةً؟
السؤال: هناك مفارقةٌ لا أفهمها في الإسلام، لماذا يستخدم الله ملائكةً ورسلاً ومعجزاتٍ ومجاهدين وكتباً سماويةً تحتاج مفسّرين ودعاةً في توصيل رسالته، بينما يوسوس الشيطان مباشرةً للناس دون وسيط؟
الجواب:
السؤال المطروح يحمل في طيّاته نوعاً من الطرافة والنباهة، فهو يلفت النظر إلى مفارقةٍ تبدو غريبةً للوهلة الأولى: لماذا يحتاج الله إلى وسائط متعدّدة، مثل: الملائكة، والرسل، والكتب السماويّة، بينما يعمل الشيطان بطريقةٍ مباشرةٍ عبر الوسوسة؟ هذه الملاحظة تعكس تأمّلاً ذكيّاً، لكنَّها تنبع أيضاً من عدم معرفة حكمة الله في التعامل مع الإنسان وطبيعته.
وحتى تتّضح الصورة تماماً ويرتفع هذا الاستغراب، سنجيب عن السؤال بأسلوبٍ منهجيٍّ ومنظَّم، من خلال تفصيل الفكرة في نقاطٍ واضحةٍ تبيّن الفارق بين الغايات الإلهيّة ووسائلها من جهة، وأهداف الشيطان وطرقه من جهةٍ أخرى.
أولًا: الإنسان: قبضةٌ من طينٍ، ونفخةٌ من روح:
إنَّ الله خلق الإنسان من طين الأرض، ونفخ فيه من روحه، قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72]. فطبيعة الإنسان تجمع بين جانبين متناقضين:
1ـ جانب الطين: يمثّل الغرائز، والشهوات، والميل الطبيعيّ للأرض والمادّيات.
2ـ جانب الروح: يمثّل التطلّع إلى الكمال الأخلاقيّ والمعنويّ والسعي نحو الله تعالى.
هذه الطبيعة المزدوجة تجعل الإنسان في حالة صراعٍٍ دائمٍ بين الجانبين.
فالغرائز قريبةٌ من الإنسان، ملاصقةٌ له، ولا يحتاج إلى من يدعوه إليها، فهي تنبثق تلقائيّاً من طبيعته الطينيّة. أمّا كمالات الروح، فهي تحتاج إلى تذكيرٍ دائمٍ وجهودٍ مضاعفةٍ؛ لأنَّها تتطلّب السموّ على الغرائز والتطلّع إلى قيمٍ أعلى؛ ولهذا، كانت دعوة الأنبياء والرسل أصعب وأعمق؛ لأنها تخاطب الجانب الروحيّ الذي يحتاج إلى يقظةٍ وتنبيه.
وثانيًا: الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعل له إرادةً حرّةً، وقدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل، وهو لا يريد أنْ تكون علاقة الإنسان به علاقة إكراهٍ أو إجبار، بل علاقة قائمة على الاختيار الواعيّ. قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].
هذا التبيّن يتطلّب وسائل متعدّدة للتواصل مع الإنسان: أنبياءً ورسلاً يحملون الرسالة، وكتباً إلهيّةً توضّح التشريعات، ومعجزاتٍ تؤكّد الصدق، ودعاةً يفسّرون الرسالة ويشرحونها.
أمّا الشيطان، فهدفه الوحيد هو إغواء الإنسان وإبعاده عن طريق الحقّ، وهو يسلك طريق الوسوسة المباشرة، حيث يعتمد على إثارة الشهوات والغرائز، مستغلًّا ضعف الإنسان الفطريّ. قال تعالى: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83].
هذا العمل لا يحتاج إلى وسائل معقّدة أو تعليم؛ لأن هدفه لا يقتضي سوى إثارة النزوات والدفع نحو الباطل.
وهنا نلخّص الفرق بين أهداف الله سبحانه وتعالى وأهداف الشيطان.
أهداف الأنبياء والرسل تتّسم بالسعي لهداية الإنسان نحو الكمال الروحيّ والأخلاقيّ، وتحريره من قيود الشهوات والأهواء. ومن أبرز هذه الأهداف:
1- إرشاد الإنسان إلى معرفة الله وعبادته: الهدف الأسمى هو إيصال الإنسان إلى معرفة خالقه وعبادته بوعي. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
2- تحقيق العدل والقسط بين الناس: الأنبياء جاؤوا لإقامة العدل ومحاربة الظلم. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
3- إصلاح النفس والمجتمع: دعوة الأنبياء تستهدف تهذيب الإنسان وتطهيره من الآثام، وخلق مجتمع قائم على المحبّة والسلام. قال تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].
وهذه الأهداف النبيلة تحتاج إلى وسائل تناسبها، فالإنسان بطبعه يميل إلى عبادة هواه بدل عبادة الله تعالى، كما يميل إلى الأنانيّة وظلم الآخرين، ومن هنا كان الإنسان بحاجة ماسّة ودائمة إلى من يهديه ويرشده إلى طريق الحقّ والعدل والإصلاح. ومن بين هذه الوسائل:
1- إرسال الرسل والأنبياء: الله تعالى أرسل الرسل ليكونوا قدوة للناس، وليروا فيهم مثالاً حيّاً على تطبيق الرسالة في الواقع. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ...} [الممتحنة: 4]، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..} [الممتحنة: 6].
2- الكتب السماويّة: الكتب السماويّة هي المرجعيّة الثابتة التي تحوي التشريعات الإلهيّة والهداية، وهي وسيلةٌ للتواصل مع البشر عبر الأجيال. قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10]. وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1]. وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 22].
3- إرسال الرسل بلغة القوم: الأنبياء بُعثوا بلسان أقوامهم ليكونوا أقرب لفهم الناس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].
4- المعجزات: المعجزات كانت وسيلةً لإظهار صدق الأنبياء وكسر الشكوك، مثل: عصا موسى، وشفاء المرضى على يد عيسى، والقرآن كمعجزة خالدة للنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله).
5- التدرّج في الدعوة: الأنبياء استخدموا الحكمة والموعظة الحسنة، وتدرّجوا في الدعوة لإقناع الناس ورفعهم تدريجيًّا إلى مستوى الهداية. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
وفي المقابل، نجد أنَّ أهداف الشيطان تتناقض تماماً مع أهداف الله تعالى، فالشيطان يهدم ولا يبني، يخرّب ولا يصلح، وهذا النوع من العمل لا يحتاج إلى أكثر من وضع المعوّقات والعراقيل، عبر الخداع والإغواء وتحريف الحقائق، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].
فإذا كان منهج الله قائماً على العلم والحكمة والاختيار، فإن منهج الشيطان قائمٌ على الإغواء والخداع والتضليل، ولا يحتاج الشيطان لتحقيق ذلك إلى أكثر من الوسوسة المباشرة، قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [طه: 120].
والوسوسة الشيطانيّة تركّز على الإغراء والإيهام، فهي لا تقدّم حجّةً عقليّةً أو دعوةً للخير، بل تعمل على استغلال نقاط الضعف في الإنسان، كالرغبة في الخلود أو التملّك أو حبّ الشهوات من النساء والأموال. قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].
والشيطان ليس مُلزَماً بمراعاة إرادة الإنسان أو احترام عقله؛ ولذا لا يحتاج إلى أكثر من الوسوسة المباشرة وتحريك شهواته ورغباته، فهو يسعى لإيقاعه في الخطأ بشتى الطرق، دون أن يحتاج إلى وسائل تعليميّة أو مراحل إقناع.
كما أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل وجود الوسائط في رسالته جزءاً من اختبار الإنسان. فالإنسان مُطالبٌ بأنْ يسعى للمعرفة ويتبيّن الحقّ من الباطل من خلال العقل والتفكّر. قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]. وهذا يعني أنَّ الطريقين - طريق الخير وطريق الشرّ - واضحان، لكن الإنسان بحاجةٍ إلى البحث والتدبّر لاختيار الطريق الصحيح.
والوسائط في الرسالة الإلهيّة تظهر مدى استجابة الإنسان للهداية: هل يستمع للنبيّ ويتّبع الكتاب ويستفيد من المعجزات؟ أم يختار طريق التمرّد والغواية؟
فالله يدعو إلى الحقّ بالحكمة والموعظة الحسنة: يريد من الإنسان أنْ يفهم ويتدبّر قبل أنْ يؤمن. بينما الشيطان يُغوي بالخداع والاستغلال: يريد من الإنسان أنْ ينساق وراء أهوائه دون وعي أو تفكّر.
في المحصّلة، الفارق بين الله والشيطان في التأثير على الإنسان يعكس الفارق بين الحكمة والخداع. الله تعالى يدعو الإنسان إلى الخير والكمال بروحٍ تحترم إرادته وتكرّمه، عبر وسائل متعدّدة تهدف إلى الارتقاء بعقله وروحه. أمّا الشيطان، فيسلك الطريق السريع، مستغلًّا نقاط الضعف والغرائز، ليُغرق الإنسان في المادّيات ويُبعده عن هدفه الأسمى.
اترك تعليق