معنى قوله: «لا تجعلوا قبري عيداً»

السؤال: ما معنى قول الرسول (صلَّى الله عليه وآله): «لا تجعلوا قبري عيداً»؟ وهل روي بأسانيد شيعية؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الظاهر بعد البحث في المصادر المتاحة لنا أنَّ أصل الحديث من كتب العامَّة، لوروده في كتبهم بشكلٍ مستفيضٍ، فانظر مثلاً: [مصنَّف عبد الرزاق ج4 ص292، مسند أحمد ج14 ص403، سنن أبي داوود ج3 ص385، تحقيق فضل الصلاة على النبي ص33، مسند البزار ج2 ص148، مصابيح السنة ج1 ص352]، وغيرها من المصادر الكثيرة.

وقد روي في بعض كتبنا نقلاً عنهم أيضاً، وبذلك يتَّضح أنَّ الحديث المذكور لم يروَ بأسانيد شيعية، وإنما هو عاميٌّ بحت.

نقل العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) عن كنز الفوائد للكراجكيّ والأمالي للشيخ الطوسيّ (طاب ثراهما) بالإسناد عن أبي الدنيا المعمر المغربيّ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا قبوركم مساجد، ولا بيوتكم قبوراً ... الخبر» ثمَّ قال: (توضيح: هذا الخبر رواه في فردوس الأخبار وغيره من كتب المخالفين عن علي (عليه السلام)) [بحار الأنوار ج79 ص55]. مضافاً إلى أنَّ أبا الدنيا المعمر المغربي من رجال العامَّة.

نعم، بعد الرجوع إلى كنز الكراجكيّ المطبوع لم نجد فيه لفظة (عيداً) وإنما الموجود فيه: (لا تتخذوا قبري مسجداً) [كنز الفوائد ص٢٦٥]. وعدم وجوده في المطبوع من أمالي الشيخ الطوسيّ أصلاً. وعلى أيِّ حالٍ، فقد تبيَّن أنَّ هذا الحديث أصله من المخالفين، ولم يرد في مصادر الشيعة إلَّا نقلاً عن العامَّة كما قلنا.

معنى الحديث:

ذكر بعض الأعلام لهذا الحديث عدَّة احتمالات، وهي:

الاحتمال الأوَّل: هو الحث على كثرة زيارة قبره (صلَّى الله عليه وآله) ولا يكون كالعيد في بعض الأوقات.

الاحتمال الثاني: وهو أنْ لا تتخذوا للزيارة وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلَّا فيه كأيام العيد المخصوصة.

الاحتمال الثالث: وهو أنْ يُعامل معاملة العيد في إظهار الزينة والاجتماع وليس لأجل الزيارة والسلام والدعاء فقط.

قال السبكيُّ: (قال الشيخ زكي الدين المنذري: يحتمل أنْ يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وأنْ لا يُهمل حتَّى لا يزار إلَّا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلَّا مرَّتين. قال: ويؤيِّد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتَّى تجعلوها كالقبور التي لا يصلَّى فيها. قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد لا تتخذوا له وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلَّا فيه. كما ترى كثيراً من المشاهد لزيارتها يوم معين كالعيد وزيارة قبره (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) ليس فيها يوم بعينه بل أي يوم كان. ويحتمل أيضاً أنْ يراد أنْ يجعل كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل لا يؤتى إلَّا للزيارة والسلام والدعاء ثمَّ ينصرف عنه، والله أعلم بمراد نبيه) [شفاء السقام في زيارة خير الأنام ص177].

عدم صحة الاستدلال به:

استدلَّ ابن تيمية وأتباعه بهذا الحديث على النهي عن زيارة قبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وهو استدلالٌ غير مقبول، كما سيتَّضح.

قال ما نصُّه: (... وقد نص الأئمَّة ـ كالشافعيّ وغيره ـ على أنَّ النهي عن ذلك معللٌ بخوف الفتنة بالقبر لا بمجرد نجاسته كما يظن ذلك بعض الناس، ولهذا كان السلف يأمرون بتسوية القبور وتعفية ما يفتتن به منها، كما أمر عمر بن الخطَّاب بتعفية قبر (دانيال) لما ظهر بتستر ... والذي ذكرناه عن مالك وغيره من الأئمَّة كان معروفاً عند السلف، كما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسي في مختاره، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجةٍ كانت عند قبر النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فيدخل فيدعو فيها فنهاه، فقال: ألا أحدِّثكم حديثاً سمعته من أبي، عن جدِّي، عن رسول الله قال: «لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإنَّ تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وهذا الحديث في سنن أبي داوود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم») [الفتاوى الكبرى ج2 ص430].

والجواب عن ذلك:

1ـ تبيَّن مما سبق أنَّ الحديث مجملٌ من حيث الدلالة؛ ولذلك فلا يصحُّ الاستدلال به في خصوص المنع من زيارة قبر النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) كما فعل ابن تيمية وأتباعه من السلفيَّة.

2ـ إنَّ سيرة المسلمين كافَّة على جواز زيارة قبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) تحتِّمُ علينا صرف الحديث ـ على فرض دلالته على النهي ـ عن ظاهره، لكونها من السِّير المستحكمة عند المسلمين أجمع عدا ابن تيمية وأتباعه.

قال الشيخ محمَّد بن عبد الباقي الزرقانيّ: (قد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النوويُّ، وأوجبها الظاهريَّة، فزيارته (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) مطلوبة بالعموم، لاستحباب زيارة القبور. والخصوص؛ لما سبق من الأحاديث الناصَّة عليها بخصوصها، والاستنباط من الآية المذكورة. ولأنَّ زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) واجب، وقد كانت ‌زيارته ‌مشهورة في زمن كبار الصحابة، معروفة بينهم، لما صالح عمر بن الخطَّاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم، ففرح به، وقال: هل لك أنْ تسير معي إلى المدينة وتزور قبره (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وتتمتع بزيارته، قال: نعم) [شرح الزرقانيّ على المواهب اللدنية ج12 ص183].

ونقل الشيخ الأمينيّ عن قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجيّ الحنفي المصريّ في شرح الشفاء: (...وقال في شرح حديث: «لا تجعلوا قبري عيداً»: أي: كالعيد باجتماع الناس، وقد تقدَّم تأويل الحديث وأنه لا حُجَّة فيه لما قاله ابن تيمية وغيره، فإنَّ إجماع الأمَّة على خلافه يقتضي تفسيره بغير ما فهموه، فإنه نزعةٌ شيطانيَّة) [الغدير ج5 ص119].

3ـ لو أعرضنا عما سبق وسلَّمنا بمقالة ابن تيمية وأنصاره، فالحديث ينهى عن مظاهر خاصَّة فقط، ولا ينهى عن مطلق الزيارة كما قال.

نقل الشيخ الأمينيُّ عن قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجيّ الحنفيّ المصريّ في شرح الشفاء: (وأمَّا قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «لا تتَّخذوا قبري عيداً» فقيل: كره الاجتماع عنده في يومٍ معيَّنٍ على هيئةٍ مخصوصة. وقيل: المراد لا تزوره في العام مرَّة فقط، بل أكثروا الزيارة له. وأمَّا احتماله للنهي عنها فهو - بفرض أنَّه المراد - محمولٌ على حالة مخصوصة، أي: لا تتَّخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة عنده وغيره مما يجتمع له في الأعياد، بل لا يُؤتى إلَّا للزيارة والسلام والدعاء ثمَّ ينصرف) [الغدير ج5 ص119].

والنتيجة النهائيَة من كلِّ ذلك، أنَّ أصل الحديث عاميٌّ، ولم يروَ بأسانيد شيعية، وأنَّ الاستناد إليه في المنع من الزيارة غير صحيح، لما بيَّناه من إجمال معناه، وكونه مخالفاً لسيرة المسلمين كافَّة .. والحمد لله ربِّ العالمين.