هل يتعبد الإمامية بالرقاع؟
السؤال: هل تعبّد الإماميّة بالرقاع الصادرة من الإمام المهدي المنتظر (ع)؟ يقول الآلوسيّ: نعم؛ إنَّهم أخذوا غالب مذهبهم -كما اعترفوا -من الرقاع المزوّرة التي لا يشك عاقلٌ أنّها افتراءٌ على الله. والعجب من الروافض أنّهم سموا صاحب الرقاع بالصدوق وهو الكذوب، بل إنَّه عن الدين المبين بمعزل. كان يزعم انّه يكتب مسألة في رقعة، فيضعها في ثقب شجرةٍ ليلاً، فيكتب الجواب عنها المهدي صاحب الزمان بزعمهم، فهذه الرقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم، وأوثق حججهم، فتبّاً. واعلم أنّ الرقاع كثيرة: (منها): رقعة عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ، فإنَّه كان يظهر رقعة بخط الصاحب في جواب سؤاله، ويزعم أنَّه كاتب أبا القاسم بن أبي الحسين بن روح -أحد السفرة -على يد عليّ بن جعفر بن الأسود أنْ يوصل له رقعته الى الصاحب، فأوصلها اليه، فزعم أبو القاسم أنَّه أوصل رقعته الى الصاحب -أي المهدي -، وأرسل اليه رقعة زعم أنّها جواب صاحب الأمر له...الخ.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الآلوسيّ شأنه شأن المئات من العامّة الذين اتّخذوا الكذب سلاحاً؛ ليضلّوا الناس عن الحقّ، ومثله ابن حزم وابن تيميّة وابن كثير، وكثيرون جداً عبر التاريخ ممّن تخلوا عن الإنصاف، وتدثروا بالافتراء ليصدُّوا عن سبيل الله.
إنَّ قوله: (إنَّهم أخذوا غالب مذهبهم - كما اعترفوا - من الرقاع المزوّرة التي لا يشك عاقلٌ أنّها افتراء على الله) غلطٌ في غلط، فالفكر الإماميّ مأخوذٌ عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد بلغت كتبهم التي دوَّنت أحاديث الأئمة في القرون الأولى آلاف مؤلفة، كما تشهد بذلك كتب الفهارس، ولا يزال الإماميّة يرجعون لتلك الأحاديث التي جمعها المحدّثون في القرن الرابع الهجريّ وما بعده في موسوعاتهم عبر أسانيد إلى المصنفين من أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
نعم، في الغيبة الصغرى كان الشيعة يتواصلون مع الإمام المهدي (عجل الله فرجه) عبر السفراء الأربعة، فكانوا يكتبون سؤالاتهم المستجدة في رقاع، وهو يجيب عليها، ويصل الجواب إليهم عبر سفيره، ولا حاجة للذهاب بعيداً والاسترسال في الردّ، اكتفاءً بالقول: إنَّ سلف الآلوسيّ في عصر الصحابة ومن بعدهم كانوا يأخذون عن رقاع أهل الكتاب، ويقتنون كتبهم ويروونها، حتى اختلط الأمر على الرواة، وهذا ما أثبته التاريخ. ويمكن مراجعة الفصل المعنون بـ (إشكالات على مرجعيّة الصحابة) في كتاب [وركبت السفينة ص192]. فإنْ كان أحد يستحق التشنيع عليه فهو الآلوسيّ ومَن يسير على دربه في نشر الأكاذيب.
وأمّا قوله: (كان يزعم انّه يكتب مسألةً في رقعة، فيضعها في ثقب شجرةٍ ليلاً، فيكتب الجواب عنها المهدي صاحب الزمان)، فهو من مختلقاته التي سيحاسبه الله عليها وعلى سائر طعوناته، وليته جعل مصدراً لكلامه، ولكن أنّى يجد لهذه الفرية مصدراً؟!
والحقيقة أنّ والد الشيخ الصدوق راسل الإمام عبر السفير الثالث أبي القاسم الحسين بن روح النوبختيّ؛ ليدعو الله له، فيرزقه ولداً. ولكن الآلوسيّ طار بمخيّلته، فاخترع تلك القصة ليخدع العوام. وأصل القضيّة ينقلها الشيخ الصدوق نفسه قائلاً:
(وحدّثنا أبو جعفر محمّد بن عليّ الأسود (رضي الله عنه) قال: سألني عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضي الله عنه) بعد موت محمّد بن عثمان العمريّ (رضي الله عنه): أن أسأل أبا القاسم الروحيّ أن يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أن يدعو الله عزّ وجلّ أنْ يرزقه ولداً ذكراً. قال: فسألته، فأنهى ذلك، ثمّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنَّه قد دعا لعليّ بن الحسين، وأنَّه سيولد له ولد مبارك ينفع [الله] به وبعده أولاد. قال أبو جعفر محمّد بن عليّ الأسود (رضي الله عنه): وسألته في أمر نفسي، أنْ يدعو الله لي ْأن يرزقني ولداً ذكراً، فلم يجبني إليه، وقال: ليس إلى هذا سبيل. قال: فولد لعليّ بن الحسين (رضي الله عنه) محمّدُ بن عليّ، وبعده أولاد، ولم يولد لي شيء.
قال مصنف هذا الكتاب (رضي الله عنه): كان أبو جعفر محمد بن عليّ الأسود (رضي الله عنه) كثيراً ما يقول لي - إذا رآني أختلفُ إلى مجلس شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد ابن الوليد (رضي الله عنه)، وأرغب في كتب العلم وحفظه -: ليس بعجبٍ أنْ تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت وُلِدت بدعاء الإمام (عليه السلام)) [كمال الدين ص532ـ533].
ولمزيد من التفصيل يراجع ما كتبه العلّامة الأمينيّ في موسوعته [الغدير ج3 ص278]، فإنَّه ناقش هذه الشبهة مفصّلاً.
وأختم بالقول: لقد صار الوصول إلى المعلومة في زماننا وتوثيقها سهلاً بسبب التطور العلميّ الهائل، وأدت افتراءات المغرضين على الإماميّة إلى اعتناق الكثيرين النهج الإماميّ، حيث يدفعهم ذلك للبحث، فيقودهم في النهاية إلى التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) كونه المذهب الحق.
اترك تعليق