هل يجوز نظر العبد إلى سيدته بدون حجاب؟
السؤال: روى الكلينيُّ عن معاوية بن عمار قال: «كنَّا عند أبي عبد الله (ع)... قلتُ: إنَّ المرأة القرشيَّة والهاشميَّة تركب وتضع يدها على رأس الأسود وذراعيها على عنقه؟ّ! فقال أبو عبد الله (ع): يا بنيَّ أما تقرأ القرآن؟ قلتُ: بلى. قال: اقرأ هذه الآية {لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ- حتى بلغ - وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}، ثم قال: يا بنيَّ، لا بأس أنْ يرى المملوك الشعر والساق». تمسّك الوهابيَّة بهذا الحديث الدالّ على جواز رؤية العبد سيدته الهاشميَّة، وله أنْ يرى شعرها وساقها، ويقولون: إنّ ذلك من الفواحش التي ألصقها الشيعة بأهل البيت.
الجواب:
لا نعلم وجهاً لاعتماد الوهابيَّة على هذا الحديث وجعله وسيلةً للطعن في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، في حين أنّ الشيعة لا يجيزون ذلك، ولا يأخذون بهذا الخبر؛ لوجود رواياتٍ أخرى تعارضه وتدلّ بوضوحٍ على المنع، وهي أقوى دلالةً وأوضح انسجاماً مع ظاهر القرآن الكريم. بينما نجد أنَّ كثيراً من فقهاء أهل السنَّة يفتون بجواز نظر العبد إلى مولاته وهي بالملابس التي تعتاد عليها في المنزل، حاله في ذلك حال بقية محارمها.
فقد نصّ فقهاء الإمامية في كتبهم الفتوائيَّة على عدم جواز نظر المملوك إلى مالكته، قال السيد اليزديّّ: (مسألة 37: لا يجوز للمملوك النظر إلى مالكته، ولا للخصيّ النظر إلى مالكته أو غيرها..) [العروة الوثقى ج5 ص489]، و وافقه على عدم الجواز سائر المعلّقين من الفقهاء وهم بالعشرات [ينظر: العروة الوثقى والتعليقات عليها ج15 ص196].
وقال السيد محسن الحكيم – في شرحه للمسألة -: (على المشهور شهرةً عظيمةً كادت أنْ تكون إجماعاً..) [المستمسك ج14 ص42].
وقد بيّن السيد أبو القاسم الخوئيُّ في شرحه هذه المسألة منهج الترجيح بين الروايات قائلاً: (وحيث إنّ المعارضة بين هاتين الطائفتين مستحكمة؛ إذ لا مجال للجمع بين «لا بأس» و«لا يحلُّ»، فلا بدّ من الرجوع إلى قواعد باب التعارض. وعليه، فلمّا كانت الطائفة الثانية هي الموافقة لكتاب الله، حيث عرفت أنّ الآية الكريمة تدلّ على عدم الجواز، فلا بدّ من العمل بها وطرح الطائفة الأولى. على أنّ الطائفة الأولى هي الموافقة للعامّة، حيث يلتزمون بجواز نظر العبد إلى مولاته، فتكون مخالفة الطائفة الثانية للعامّة مرجّحاً آخر لها، فتحمل الطائفة الأولى على التقيّة لا محالة) [المباني في شرح العروة الوثقى ج2 ص76].
فالمسألة لا تُحسَم بمجرّد وجود حديثٍ ولو كان صحيح الإسناد، بل من خلال دراسة مجموع الروايات صدوراً ودلالةً وجهةً، وموازنتها بالقرآن والسنة القطعيّة، وعليه: لَمّا كان الحديث الذي يجيز النظر مُعارضاً برواياتٍ أخرى، ومخالفاً لظاهر القرآن، فقد وجب حمله على التقيّة وإنْ كان إسناده صحيحاً.
وهذا ما أكّده العلامة المجلسي حين قال: (وأكثر الأصحاب عملوا بأخبار المنع، وحملوا هذه الأخبار على التقيّة؛ لأنّ سلاطين الجور في تلك الأزمان كانوا يدخلون الخصيان على النسوان، كما هو الشائع في أكثر الأزمان..) [مرآة العقول ج20 ص368].
والغريب في الأمر أنّ القول بجواز نظر العبد إلى سيدته هو في الحقيقة من الآراء المقرّرة في فقه بعض المذاهب السنيَّة، لا في فقه الشيعة؛ فقد نصَّت كتبهم على أنَّ المرأة يجوز لها أنْ تظهر أمام مملوكها كما تظهر أمام محارمها، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ... أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31]، وببعض الأحاديث:
منها: ما رواه أبو داود السجستانيّ عن أنس: «أنَّ النبيَّ (ص) أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة (رض) ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطَّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبيّ (ص) ما تلقى، قال: إنّه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك» [سنن أبي داود ج2 ص271]. قال الألبانيّ: (وإسناده صحيح، رجاله ثقات) [إرواء الغليل ج6 ص206].
قال العظيم آباديّ: (والحديث فيه دليلٌ على أنَّه يجوز للعبد النظر إلى سيدته وأنّه من محارمها، يخلو بها ويسافر معها وينظر منها ما ينظر إليه محارمها، وإلى ذلك ذهبت عائشة وسعيد بن المسيب والشافعيُّ في أحد قوليه، وأصحابه وهو قول أكثر السلف، وذهب الجمهور إلى أنَّ المملوك كالأجنبيّ) [عون المعبود ج11 ص111].
ومنها: ما رواه أحمد وغيره بالإسناد عن أمّ سلمة ذكرت: «أنّ النبيّ (ص) قال: إذا كان لإحداكنَّ مكاتب، فكان عنده ما يؤدّي، فلتحتجب منه» [مسند أحمد ج6 ص289، سنن ابن ماجه ج2 ص842، سنن أبي داود ج2 ص234، وغيرها].
قالوا: إنَّ هذا الحديث دلّ بمفهومه على عدم وجوب احتجابها منه إذا لم يكاتب ولم يجد مال الكتابة. يقول الشيخ ابن باز في موقعه الرسميّ: (فالمقصود أنه إذا كُوتب مثلاً على عشرة آلاف: كلّ سنةٍ ألفان، وأدَّاها، وكان عنده الألفان الأخيرة حاضرة، فإنّ له حكم الحرّ، وليس لها أنْ تكشف له، بل تحتجب منه، وعليه أنْ يؤدي البقية ليخلص نفسه من الرقِّ).
وقال ابن العربيّ: (وأطلق علماؤنا المتأخرون القول بأنّ غلام المرأة في ذوي محارمها يحلّ منها ما يحل لذي المحرم، وهو صحيحٌ في القياس) [أحكام القرآن ج3 ص387].
وقال السرخسيُّ: (والعبد فيما ينظر من سيدته كالحر الأجنبيّ، معناه أنّه لا يحلّ له أنْ ينظر إلى وجهها وكفيها عندنا. وقال مالك: نظره إليها كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ}، ولا يجوز أنْ يحمل ذلك على الإماء؛ لأنّ ذلك داخلٌ في قوله تعالى: {أَو نِسَائِهِنّ}؛ ولأنَّ هذا ممّا لا يشكل؛ لأنَّ للأمَة أنْ تنظر إلى مولاتها كما للأجنبيات، فإنّما يحمل البيان على موضع الإشكال. وعن أمّ سلمة أنّه كان لها مكاتب فلمّا انتهى إلى آخر النجوم قالت له: أتقدر على الأداء، فقال: نعم، فاحتجبت، وقالت: سمعتُ رسول الله (ص) يقول: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فأدى آخر النجوم، فلتحتجب منه»، والمعنى فيه: أنّ بينهما سببٌ محرَّمٌ للنكاح ابتداءً وبقاءً، فكان بمنزلة المحرميَّة بينهما، وإباحة النظر عند المحرميّة لأجل الحاجة، وهو دخول البعض على البعض من غير استئذانٍ ولا حشمة، وهذا يتحقق فيما بين العبد ومولاته) [المبسوط ج10 ص158].
فإذا كانت هذه النصوص والفتاوى صادرةً من فقهاء أهل السنّة أنفسهم، فكيف يصحّ أنْ يُتَّهم الشيعة بنسبة ما هو في الحقيقة من تقريراتهم الفقهيّة؟!
وهكذا يتبيّن أنّ حديث معاوية بن عمار الذي رواه الشيخ الكلينيُّ لا يصلح مطعناً في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنه لم يُعتمد فقهاً، بل فُسِّر على ضوء قواعد التعارض والتقيّة، في حين أنَّ القول بجواز نظر العبد إلى مولاته هو رأيٌّ موجودٌ بوضوحٍ في الفقه السنيّ، لا في فقه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
ويتّضح ممّا تقدّم: أنّ المراد من «القرشيَّة والهاشميَّة» في الرواية، هو نساء السلاطين والولاة، كبني العبّاس – الذين هم من بني هاشم ومن قريش -، وولاتهم، وولاة بني أميّة، ونظائرهم، فإنّهن أوضح مصاديق (القرشيات والهاشميات) اللاتي كن يفعلن ذلك. ولا يخفى أنّ هذا يناسب جدّاً حمل الرواية على التقيّة؛ باعتبار أنّ مظنّة التقيّة هو فعل الحكّام وفتوى فقهاء العامّة. وبهذا يتبيّن أنّ إيهام الوهابيّة إرادة (نساء أهل البيت) من لفظ (الهاشميّة) ليس إلّا مغالطة بشعة.
اترك تعليق