هل من ولد في الثالث عشر من رجب يكون مشؤوماً؟
السؤال: الثالث عشر من رجب يومُ نحسٍ، ومن وُلِد فيه كان مشؤوماً، فعن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال: «الثالث عشر يومُ نحسٍ، فيه هلك ابن نوح وامرأة لوط، وهو يومٌ مذمومٌ في كلِّ حال، فاستعذ بالله من شرِّه، ومن وُلِد فيه كان مشؤوماً»، هل هو نفس يوم ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، علماً أنَّ أيام ولادات أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) خيرٌ وبركة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما نقله العلَّامة المجلسيُّ (طاب ثراه) عن زوائد الفوائد لابن طاووس (طاب ثراه)، وفيه قوله: (الزوائد: عنه (عليه السلام): يومُ نحسٍ، فيه هلك ابن نوح وامرأة لوط، وهو يومٌ مذمومٌ في كلِّ حال، فاستعذ بالله من شرَّه، ومن وُلِد فيه كان مشوماً، عسير الرزق، كثير الحقد، نكد الخلق، ومن مرض فيه أو في ليلته يخاف عليه والله أعلم) [بحار الأنوار ج ٥٦ ص66].
غير أنَّنا لم نعثر على هذا النص في النسخة المخطوطة من كتاب الزوائد، ويُحتمل أنْ يكون من القسم المفقود منها؛ إذْ إنَّ الواصل إلينا منها ناقص الأوَّل والأخير. وعلى أيِّ حال، يُستفاد من ظاهر الأمر أنَّ كتاب (الزوائد) هو أوَّل مصدرٍ نقل هذا الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام).
إذا تبيَّن هذا، فلنعقد الكلام في ذكر أمور:
الأمر الأوَّل: إنَّ الملاحَظ في هذا الخبر هو الإرسال وعدم ذكر السند، الأمر الذي يُضعِّف من قيمته العلميّة والروائيّة، إذْ لا يُمكن التعويل على الرواية المرسلة في إثبات الحقائق؛ لأنَّ الحجيَّة في النقل إنَّما تتحقق بوجود السند المتصل الموثوق. أمَّا المرسل، فهو منقطع الإسناد، مجهول الواسطة بين الناقل والمعصوم (عليه السلام)، فلا يُعلم حال تلك الواسطة من حيث العدالة والوثاقة، مما يُسقط الخبر عن درجة الاعتبار، ويمنع من بناء الأحكام أو العقائد عليه.
الأمر الثاني: من المحتمل قوياً أنْ يكون الخبر المذكور قد تضمَّن إدراجاً، والقرينة على ذلك قوله: «والله أعلم»، إذْ لم يُعرف عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) استعمال مثل هذا التعبير، فهو من الأساليب الشائعة بين العلماء لا المعصومين؛ وبناءً على ذلك، يُمكن أنْ يكون قوله: «ومن وُلد فيه كان مشؤوماً... إلخ» من إدراج بعض الرواة أو من كلام السيِّد ابن طاووس نفسه. وبهذا يصبح النص الوارد مجملاً لا يصحُّ الاستناد إليه؛ لعدم تمييز كلام الإمام عن غيره.
الأمر الثالث: لو تنزلنا عن كلِّ ذلك وقلنَّا بصحته واعتباره، فهو من قبيل (المقتضي) وليس العلَّة التامة، كما هو واضح.
مضافاً إلى ذلك فهو منافٍ لما ورد في فضل هذا اليوم الذي يُعدُّ أوَّل الأيام البيض المباركة التي يستحب صيامها.
من ذلك: ما رواه علي بن موسى بن طاووس في (الدروع الواقية) نقلاً من كتاب تحفة المؤمن تأليف عبد الرحمن بن محمَّد بن علي الحلوانيّ، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل فقال: قل لعليٍّ: صُمْ من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيام، يكتب لك بأوَّل يوم تصومه عشرة آلاف سنة، وبالثاني ثلاثون ألف سنة، وبالثالث مائة ألف سنة. قلتُ: يا رسول الله، إليَّ ذلك خاصة أم للناس عامة؟ فقال: يعطيك الله ذلك ولمن عمل مثل ذلك.
فقلتُ: ما هي يا رسول الله؟ قال: الأيام البيض من كلِّ شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر» [الدروع الواقية ص66].
هذا، فضلاً عمَّا هو المشهور من ولادة أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين (عليه السلام) في هذا اليوم الذي يضفي عليه البركات جزماً.
فقد روى الفتَّال النيسابوريُّ (طاب ثراه) عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفيه: «فلمَّا كانت الليلة التي ولد فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) أشرقت السماء بضيائها، وتضاعف نور نجومها، وأبصرت من ذلك قريشٌ عجباً، فهاج بعضها في بعض وقالوا: قد حدث في السماء حادثة، وخرج أبو طالب يتخلل سكك مكَّة وأسواقها، ويقول: يا أيُّها الناس، تمَّت حجّة الله، واقبل الناس يسألونه عن علَّة ما يرونه من إشراق السماء وتضاعف نور النجوم، فقال لهم: أبشروا فقد ظهر في هذه الليلة وليٌّ من أولياء الله، يكمل الله فيه خصال الخير ويختم به الوصيين، وهو إمام المتقين وناصر الدين، وقامع المشركين، وغيظ المنافقين، وزين العابدين، ووصى رسول ربِّ العالمين. إمام هدىً، ونجمُ علا ومصباح دجى، ومبيد الشرك والشبهات، وهو نفس اليقين، ورأس الدين، فلم يزل يكرر هذه الكلمات والألفاظ إلى أنْ أصبح» [روضة الواعظين ص77].
تاريخ الولادة المباركة:
1ـ قال الشيخ المفيد (طاب ثراه): (أبو الحسن، ولد بمكَّة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولودٌ في بيت الله تعالى سواه إكراماً من الله تعالى له بذلك وإجلالاً لمحلِّه في التعظيم) [الإرشاد ج1 ص5، وانظر: مصباح المتهجِّد للطوسي ص471].
2ـ وقال السيِّد علي بن طاووس (طاب ثراه): (روي أنَّ يوم ثالث عشر رجب كان مولد مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكعبة قبل النبوَّة باثني عشر سنة) [إقبال الأعمال ص٢٣١].
3ـ وقال العلَّامة المامقانيُّ (طاب ثراه): (المعروف بين المسلمين أنّه ولد في مكة، في بيت الله الحرام والمشهور بين الأصحاب ـ وأشهر الروايات عندهم ـ أنّه ولد في يوم الجمعة ثالث عشر رجب، قبل البعثة باثنتي عشرة سنة) [تنقيح المقال ج1 ص٢١٦].
بقي شيء:
وهو أنَّ هذا الجواب المذكور كما يجري في خصوص ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، كذلك يجري فيما ورد في غيره من الأئمَّة (عليهم السلام)، أمثال: ما ورد في خصوص اليوم الخامس عشر والذي يصادف ولادة الإمام الحجَّة (عليه السلام)، فكما لا يُقبل في حقِّ أمير المؤمنين كذلك سائر الأئمَّة [لاحظ: البحار ج56 ص٦٧].
والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك، أنَّ هذا الخبر غير مُعتبر سنداً، كما يحتمل كونه مدرجاً، ومع الغض عن ذلك فلا يُمكن الأخذ به والتعويل عليه|؛ لكونه من قبيل المقتضي، ولمنافاته للأخبار الشريفة الواردة في الأيام البيض، وكذلك لما هو المشهور والمعروف من ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام).
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق