هل يمكن أن تكون الإمامة خيراً وشراً معاً؟
السؤال: في كتاب الله مصطلح الإمامة يحتمل الخير والشر {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}، ولكنَّ النبوَّة في القرآن لم توجد كنبوّة شرٍّ، إنَّما هي خيرٌ محضٌّ، فكيف جعلتم ما يحتمل الخير والشر أعلى ممّا لا يحتمل إلاّ الخير المحض؟
الجواب:
يقوم هذا الادعاء على خلطٍ واضحٍ بين المعنى اللغويّ للإمامة والمقام الإلهيّ الشرعيّ لها، فالقرآن الكريم استعمل كلمة الإمامة بمعنيين:
الأول: لغويٌّ عامٌّ، يشير إلى كلّ مَن يُقتدَى به، سواء في طريق الهدى أو في طريق الضلال، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص: 41]، أي قادة الكفر والفساد.
والثاني: شرعيٌّ خاصٌّ، يشير إلى مقامٍ إلهيٍّ رفيعٍٍ جعله الله لأوليائه المصطفين الذين يهدون بأمره، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73].
ولو تأملنا كلمة (النبيّ) يمكن أنْ تستعمل على وجهٍ غير محمودٍ لو أُريد به مجرد «مَن يتنبّأ»، فكم من نبيٍّ كاذبٍ مدّعٍ ما ليس له. وإنْ كان ذلك لا يضرّ بالنبيّ الصادق فإنه لا يضر أيضاً بإمام الحق، فاللفظ لا يحدّد الشرف، وإنما يحدّده السياق والجعل الإلهيّ.
إذن: فليس كل من سُمّي (إماماً) في اللغة هو (إمامٌ إلهيٌّ) في المعنى العقائديّ، تماماً كما أنّ كلمة (ملك) تُطلق على حاكمٍ عادلٍ وآخرَ ظالم، دون أنْ يعني ذلك تساوي الملكين في القيمة؛ فاللفظ مشتركٌ، ولكن المقام مختلف.
وعليه، فإنّ الإمامة التي يحتج بها الشيعة ليست مطلق القيادة والزعامة التي يمكن أنْ تكون في الخير أو الشر، بل هي الإمامة الإلهيَّة التي وصفها الله بالعهد في قوله: {إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، ثم بيّن شرطها الأساس: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]، أي إن هذا المقام لا يُعطى لمن تلوّث بظلمٍ أو معصيةٍ قطُّ، ممّا يدلّ على أنَّ الإمامة الإلهية خيرٌ محضٌ لا يدخلها شرّ، وأنّ الله نفسه استبعد عنها كلّ مَن لم يكن كاملاً في الطاعة والعصمة؛ فكيف يُقال: إنّها تحتمل الشرّ، وهي مشروطة بنفيه؟
ففي روايةٍ طويلةٍ عن الإمام الرضا (عليه السلام) جاء فيها:
«..هل يعرفون قدْر الإمامة، ومحلّها من الأمة، فيجوّزون فيها اختيارهم؟ إنَّ الإمامة أجل قدراً وأعظم شأنا وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً مِن أنْ يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم.
إنَّ الإمامة خصَّ الله بها إبراهيم (ع) بعد النبوة، والخِلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شَرّفَهُ بها وأشاد بها ذكره، فقال عَزّ وجَلّ: {أني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، فقال الخليل (ع) - سروراً بها -: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، قال الله عَزّ وجَلّ: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله عَزّ وجَلّ بأن جعلها في ذريَّته أهل الصفوة والطهارة، فقال عَزّ وجَلّ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إليهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإقام الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكانوا لَنَا عَابِدِينَ}.
فلم تزل في ذريّته يرثها بعضٌ عن بعض، قرناً فقرناً، حتى ورثها النبيُّ (ص)، فقال الله عَزّ وجَلّ: {إنَّ أولى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}، فكانت له خاصة فقلّدها علياً بأمر الله عَزّ وجَلّ على رسم ما فرضها الله، فصارت في ذريّته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عَزّ وجَلّ: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ}. فهي في ولد عليٍّ خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبيّ بعد محمّد (ص)، فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟
إنَّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إنَّ الإمامة خلافة الله عَزّ وجَلّ، وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين.. إنَّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين. إنَّ الإمامة أسُّ الإسلام النامي وفرعه السامي..» [الكافي ج1 ص489].
وبذلك تظهر المفارقة في السؤال: فصاحب الإشكال جعل (الإمامة) في الآية التي تصف أئمة الضلال مساويةً في المقام لتلك التي خُصّ بها إبراهيم والأئمة من ذريته، مع أنّ القرآن نفسه يفرّق بينهما بالوصف والمصدر. فالأولى تقديرٌ اجتماعيٌّ، والثانية جعلٌ إلهيّ يقوم على الاصطفاء والعصمة والتسديد الربانيّ.
اترك تعليق