هل سبى أمير المؤمنين (ع) المسلمين؟
السؤال: ينقل بعض المؤرِّخين أنَّ الإمام علياً (عليه السلام) سبى بعض المسلمين أيام خلافته ـ أو حكمه ـ وهم بنو ناجية الذين افتداهم مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ. فهل يجوز سبي المسلمين؟ أم كان هؤلاء مرتِّدين، إذْ لم يُعلم أنَّ أحداً ارتدَّ بعد الردَّة التي حدثت أيام أبي بكر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما ورد في جملةٍ من المصادر، منها:
ما رواه اليعقوبيّ، ونصُّه: (وخرج الخريت بن راشد الناجي في جماعةٍ من أصحابه، فجرَّدوا السيوف بالكوفة، فقتلوا جماعةً، وطلبهم الناس، فخرج الخريت وأصحابه من الكوفة، فجعلوا لا يمرُّون ببلد إلَّا انتهبوا بيت ماله حتَّى صاروا إلى سيف عمان، وكان عليٌّ قد وجَّه الحلو بن عوف الأزديّ عاملاً على عمان فوثبت به بنو ناجية فقتلوه، وارتدوا عن الإسلام، فوجَّه عليٌّ معقل بن قيس الرياحيّ إلى البلد، فقتل الخريت بن راشد وأصحابه، وسبى بني ناجية، فاشتراهم مصقلة ابن هبيرة الشيبانيّ، وأنفذ بعض الثمن ثمَّ هرب إلى معاوية، وأمر عليٌّ بهدم داره، وأنفذ عتق بن ناجية) [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص194].
وما رواه الطبريُّ في حديثٍ طويلٍ، وفيه: (جاء الخريت بن راشد إلى علي ـ وكان مع الخريت ثلاثمائة رجلٍ من بني ناجية مقيمين مع علي بالكوفة، قدموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفين والنهروان ـ فجاء إلى عليٍّ في ثلاثين راكباً من أصحابه يسير بينهم حتَّى قام بين يدي علي، فقال له: والله يا علي، لا أطيع أمرك، ولا أصلِّي خلفك، وإني غداً لمفارقك... إلى قوله: وخرج الخريت بن راشد وهو منهزمٌ حتَّى لحق بأسياف البحر، وبها جماعةٌ من قومه كثيرٌ، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي، ويبيِّن لهم فراقه، ويخبرهم أنَّ الهدى في حربه حتَّى اتبعه منهم ناس كثير... إلى قوله: وبعث معقل بن قيس الخيل إلى رحالهم، فسبى من أدرك منهم، فسبى رجالاً كثيراً ونساءً وصبياناً) [تاريخ الطبريّ ج5 ص113ـ 128].
وما حكاه أبو الفرج الأصفهانيّ ونصُّه: (وكان بنو ناجية ارتدُّوا عن الإسلام، ولما ولي علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) الخلافة دعاهم إلى الإسلام، فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الردَّة فسباهم واسترقَّهم، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة منه، وأدَّى ثلث ثمنهم وأشهد بالباقي على نفسه، ثمَّ أعتقهم وهرب من تحت ليله إلى معاوية، فصاروا أحراراً، ولزمه الثمن) [الأغاني ج10 ص383]، وغيرها من المصادر الناقلة لهذه القصَّة.
إذا بان هذا، فلنا بعض التعليقات، نذكرها في نقطتين:
النقطة الأولى: إنَّ الثابت في الشريعة الإسلاميَّة هو عدم جواز استرقاق المسلمين؛ لأنَّ الإسلام حرَّم استرقاق من كان داخلاً في دائرة الإسلام، وجعل الرق (العبوديَّة) مرتبطاً بأحوالٍ خاصةٍ جداً، أهمّها الحرب المشروعة مع الكفَّار غير المسلمين بشروطٍ خاصة، كما هو مفصَّلٌ في الكتب الفقهية.
وأمَّا البُغاة: فأيضاً لا يجوز استرقاقهم، فقد قال المحقق الحلَّيُّ (طاب ثراه) في قتال أهل البغي ما نصُّه: (يجب قتال من خرج إلى إمام عادل، إذا ندب إليه الإمام عموماً أو خصوصاً أو من نصبه الإمام، والتأخُّر عنه كبيرة ... إلى قوله: لا يجوز سبي ذراري البغاة، ولا تملك نسائهم إجماعاً) [شرائع الإسلام ج1 ص٢٥٦، وينظر أيضاً: قواعد الأحكام ج1 ص522، إيضاح الفوائد ج1 ص٣٩٦، فوائد القواعد ص501]، وغيرها.
وأمَّا المرتد: فكذلك لا يجوز استرقاقه، فقد جاء في موسوعة الفقه الإسلاميّ ما نصُّه: (لا يجوز سبي المرتد ولا استرقاقه وإنْ كان بحكم الكافر في كثيرٍ من الأحكام، ذكره جماعةٌ من الفقهاء، بل المحقِّق النجفيّ نفى الخلاف عنه، مستدلاً عليه بأصالة الحرَّية السالمة عن المعارض، بعد اختصاص الفتاوى والنصوص ـ ولو بحكم التبادر ـ بغيره. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا بين من لحق بدار الكفر وغيره. وكذا لا يجوز سبي نسائه وأولاده وإنْ انعقدوا حال الردَّة، كما صرَّح بذلك الشيخ جعفر كاشف الغطاء) [موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ج8 ص٤٣٠].
ومن خلال هذا يتبيَّن أنَّ حكم الرقِّ خاصٌ بالكفَّار، كعبَّاد الأوثان والكواكب ومن جرى مجراهم، وكذلك اليهود والنصارى والمجوس [يُنظر: المهذَّب لابن البرَّاج ج1 ص298 ].
النقطة الثانية: بعد أنْ تبيَّن حُكم المسلمين والبغاة والمرتدِّين يتَّضح أنَّ من استرقَّهم أمير المؤمنين (عليه السلام) هم ممّن يجوز استرقاقهم ـ كالنصارى ـ وهذا ما رواه إبراهيم بن محمَّد الثقفيّ في الخبر الذي جاء فيه: (... فأمَّا من كان مسلماً فإنا منَّنا عليه وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم. وأمَّا من ارتد فإنا عرضنا عليهم الرجوع إلى الإسلام وإلَّا قتلناهم، فرجعوا إلى الإسلام غير رجلٍ واحد فقتلناه.
أمَّا النصارى فإنا سبيناهم وأقبلنا بهم ليكونوا نكالاً لمن بعدهم من أهل الذمَّة؛ لكي لا يمنعوا الجزية، ولكي لا يجترئوا على قتال أهل القبلة ... إلى قوله: ثمَّ أقبل بالأسارى حتَّى مرَّ على مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ وهو عامل لعلي (عليه السلام) على أرْدَشِير خُرَّة وهم خمسمائة إنسان ... إلى قوله: ثمَّ إنَّ مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهليّ إلى معقل فقال: بعني نصارى بني ناجية ... الخبر) [الغارات ج1 ص٣٦٢، وينظر: تاريخ الطبريّ ج5 ص128].
وكذلك ما نُقل عن الشافعيّ، وفيه: (قد قاتل من لم يزل على النصرانيَّة ومن ارتد، فقد يجوز أنْ يكون عليٌّ (رضي الله عنه) سبى من بني ناجية من لم يكن ارتد) [السنن الكبرى للبيهقيّ ج17 ص140].
وكذلك ما قاله ابن عساكر، وفيه: (مصقلة بن هبيرة بن شبل ... من وجوه أهل العراق، كان من أصحاب علي بن أبي طالب وولي أرْدَشِير خُرَّة من قبل ابن عبَّاس وعتب عليٌّ عليه في إعطاء مال الخراج لمن يقصده من بني عمِّه. وقيل: لأنه فدى نصارى بني ناجية بخمس مائة ألف فلم يردها كلها ووفد على معاوية) [تاريخ دمشق ج58 ص269].
وكذلك ما رجَّحه العلَّامة المجلسيُّ (طاب ثراه)، فإنه بعد أنْ نقل الروايتين في هذه القصَّة قال ما هذا لفظه: (والصحيح ما في الرواية الثانية، من أنَّ الأسارى كانت من النصارى) [بحار الأنوار ج34 ص42].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، هي عدم ثبوت استرقاق أمير المؤمنين (عليه السلام) لبني ناجية كبغاة أو مرتدِّين، وإنما كان الاسترقاق للنصارى الذين ساعدوا في الحرب وشهروا السيف على جيش الإمام (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق