موقف الأئمة (ع) من علم الكلام
السؤال: إنَّ علم الكلام وضعه المتكلمون الشيعة وقد نهى أئمتهم عن الغور فيه، حيث قال جميل بن دراج: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «متكلمو هذه الأمة من شرار أمتي»، ومع هذا النهي الشديد نجد أنَّ علم الكلام يحتل مكانة كبيرة من الاهتمام والتدريس داخل الحوزات الدينيَّة.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيّدك الله – أنَّ الوارد في الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فيما يخص موقفهم من علم الكلام، ينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الحثُّ على الكلام:
فهناك العديد من الروايات الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) تحثّ متكلمي الإماميَّة على الكلام، وإثبات الحق، ودحض الباطل.
نذكر منها: ما رواه الكلينيُّ بالإسناد إلى يونس بن يعقوب قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام فقال: إني رجلٌ صاحب كلامٍ وفقهٍ وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك..
قال: فالتفت أبو عبد الله (عليه السلام) إليَّ، فقال: يا يونس، لو كنت تحسن الكلام كلّمته. فقلتُ: جعلت فداك، إنّي سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويلٌ لأصحاب الكلام، يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّما قلتُ: فويلٌ لهم إنْ تركوا ما أقول، وذهبوا إلى ما يريدون.. فقال أبو عبد الله لهشام بن الحكم: مثلك فليكلّم الناس» [الكافي ج1 ص171].
النوع الثاني: النهي عن الكلام:
هناك بعض الروايات الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) في النهي عن الكلام، وترك الجدال مع المخالف.
نذكر منها: ما رواه الصفّار والصدوق بالإسناد إلى الحسين بن المختار، وأبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يهلك أصحاب الكلام وينجو المسلِّمون، إنّ المسلّمين هم النجباء» [بصائر الدرجات ص541، التوحيد ص458].
أقول: الوارد في الأخبار ما يدلُّ على أنَّ النهي كان في موارد خاصةٍ وهي:
1ـ إنّ النهي كان لمن لا يحسن الكلام خوفاً عليه من الضلال والانحراف، وعدم إظهار الحجج الثابتة للخصم.
فقد روى الكشيُّ بالإسناد عن أبي خالد الكابليّ، قال: «رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعدٌ في الروضة قد قطع أهل المدينة إزراره وهو دائبٌ يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه فقلتُ: إنَّ أبا عبد الله نهانا عن الكلام. فقال: أمرك أنْ تقول لي؟ فقلت: لا، ولكنَّه أمرني ألّا أكلم أحدا. قال: فاذهب فأطعه فيما أمرك.
فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بقصة صاحب الطاق، فتبسم أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: يا أبا خالد، إنَّ صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقضّ، وأنت إنْ قصّوك لن تطير» [رجال الكشيّ ج2 ص424].
وروى أيضاً بسنده إلى الطيار قال: «قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): بلغني أنَّك كرهت منا مناظرة الناس وكرهت الخصومة؟ فقال: أمّا كلام مثلك للناس فلا نكرهه، مَن إذا طار أحسن أنْ يقع، وإنْ وقع يحسن أنْ يطير، فمَن كان هكذا فلا نكره كلامه» [رجال الكشيّ ج2 ص638].
قال الشيخ المفيد: (فثبت أنّ نهي الصادقين (عليهما السلام) عن الكلام إنّما كان لطائفةٍ بعينها، لا تحسنه ولا تهتدي إلى طرقه، وكان الكلام يفسدها، والأمر لطائفةٍ أخرى به؛ لأنّها تحسنه وتعرف طرقه وسبله) [تصحيح اعتقادات الإماميَّة ص71].
2ـ إنّ النهي عن الكلام في ذات الله وتشبيهه بخلقه.
فقد روى الكلينيُّ بالإسناد إلى أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «تكلّموا في خلق الله، ولا تتكلموا في الله، فإنّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاَّ تحيراً».
وفي روايةٍ أخرى عن حريز: «تكلّموا في كلّ شيء، ولا تتكلّموا في ذات الله» [الكافي ج1 ص92].
قال الشيخ المفيد: (فأمّا النهي عن الكلام في الله عزّ وجلّ؛ فإنّما يختصّ بالنهي عن الكلام في تشبيهه بخلقه وتجويره في حكمه. وأمّا الكلام في توحيده ونفي التشبيه عنه والتنزيه له والتقديس، فمأمورٌ به ومرغّب فيه. وقد جاءت بذلك آثارٌ كثيرةٌ وأخبارٌ متظافرةٌ) [تصحيح اعتقادات الإماميَّة ص71].
3ـ إنّ النهي كان تقيةً في زمنٍ محددٍ.
فقد روى الكشيُّ بسنده إلى يونس بن عبد الرحمن قال: «قلت لهشام: إنّهم يزعمون أنّ أبا الحسن (عليه السلام) بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أنْ تسكت ولا تتكلّم، فأبيتَ أنْ تقبل رسالته. فقال هشام: إنّه لمّا كان أيام المهدي؛ شدَّدَ على أصحاب الأهواء.. فبعث إليّ: كُفَّ هذه الأيام عن الكلام، فإنّ الأمر شديد. فكففتُ عن الكلام حتى مات المهدي وسكن الأمر» [رجال الكشيّ ج2 ص542].
4ـ إنّ النهي كان من أجل ترك المجادلة والمخاصمة في الدين، فالمخاصمة تشغل القلب عن ذكر الله، وتكسب الأحقاد، وتورث الشك والنفاق، وتحبط العمل وتستجيز الكذب.
وقد روى الصدوق بسنده إلى عنبسة العابد، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إيّاكم والخصومة في الدين، فإنّها تشغل القلب عن ذكر الله عز وجل، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب» [الأمالي ص503].
وروى أيضاً بسنده إلى أبي عبيدة الحذاء، قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): «يا زياد، إيَّاك والخصومات فإنّها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها» [التوحيد ص456].
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ النهي الوارد في الآثار خاصٌّ بالموارد المتقدّمة، وأمّا من يحسن المجادلة وبيان الحقّ والدفاع عنه، فإنّه يجوز له ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار مراعاة ما جاء عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الصدد.
فقد روى الصدوق بسنده إلى زرارة، قال: « سألت أبا جعفر (عليه السلام): ما حجَّة الله على العباد؟ قال: أنْ يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون» [التوحيد ص459].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ الله خصّ عباده بآيتين من كتابه: أنْ لا يقولوا حتّى يعلموا، ولا يردّوا ما لم يعلموا، وقال (عزَّ وجلَّ): {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَ}، وقال {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}» [الكافي ج 1 ص 43].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق