هل صح أن أمير المؤمنين (ع) قد اشترى الذمم لمبايعته؟
السؤال: نص الشبهة: يتهم الشيعة خصوم عليّ بن أبي طالبٍ (ع) باستخدام المال السياسيّ لشراء الذّمم، لكن الحقيقة أنَّ عليَّاً ذاته قد قام بذلك لما اجتمع الناس على طلحة بعد مقتل عثمان؛ أتى عليٌّ بيت المال وفتحه؛ فلما سمع النّاس بذلك تركوا طلحة وأقبلوا إليه فبايعوه! أليس هذا شراءً للذمم؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله-أنَّ المستشكل استند في شبهته إلى خبرٍ روته مصادر مخالفينا العامّة.
فقد أخرجه البلاذريُّ في [أنساب الأشراف ج2 ص214] قال: (حدّثني محمد بن سعد، حدّثنا أنس بن عياض، عن محمد ابن أبي ليلى مولى الأسلميين، ومحمد بن عطية الثقفيّ: أنَّ عطية أخبره قال: لما كان الغد من يوم قتل عثمان أقبلتُ مع عليٍّ فدخلتُ المسجد، فوجدتُ جماعةً من الناس قد اجتمعوا على طلحة، فخرج أبو جهم ابن حذيفة العدويّ فقال: يا عليُّ، إنّ النّاس قد اجتمعوا على طلحة وأنت غافل! فقال: أيُقتل ابن عمّتي، وأُغلَب على ملكه؟ ثم أتى بيت المال ففتحه، فلما سمع النّاس بذلك تركوا طلحة وأقبلوا إليه) [انتهى].
ولنا ردٌّ على هذا الخبر من وجوه:
الوجه الأول: عدم صحة الخبر:
لا يرتاب أحدٌ - اطلع على سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) - في بطلان هذا الخبر، لاسيما وأنَّ هناك ضعفاً في سنده، وبيان ذلك:
أنّ هذا الإسناد فيه تحريفٌ من جهتين:
إحداهما: أنَّ ابن أبي ليلى يرويه عن محمد، لا أنّهما يرويانه معاً عن عطية، فالصواب: (عن محمد)؛ لأنّ الإسناد ساقه البخاريّ وغيره برواية ابن أبي ليلى عن محمد؛ ولأنّه يقول: (إنَّ عطية أخبره)؛ فلو كانا يرويانه عنه لكان ينبغي أنْ يقول: (إنَّ عطية أخبرهما).
وثانيهما: أنّ (محمد بن عطية الثقفي) غلط، والصواب: (محمد مولى عطية)، فإنّ عطية هو عطية بن سفيان بن عبد الله الثقفيّ، يروي عنه مولاه محمّد، وهذا الإسناد ذكره النقّاد في ترجمتيهما.
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ هذا الإسناد لا يصحّ من وجهين:
الأول:إنّ محمد مولى عطية لم يذكره نقّاد الحديث بجرحٍ أو تعديل؛ فهو مجهول.
الثاني: إنّ هذا الإسناد أنكره أبو حاتم الرازيُّ؛ وذلك لمّا ساق البخاريُّ هذا الإسناد في ترجمة عطية بن سفيان، ذكر ابن أبي حاتم: (سمعتُ أبي يقول: لا أعرف هذا الإسناد) [بيان خطأ البخاريّ ص93].
الوجه الثاني: كان الناس لا يشكّون أنَّ وليَّ الأمر بعد عثمان هو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمّا قُتِل عثمان بايعه الناس، وكانت مفاتيح بيت المال عند طلحة، فأمر عليٌّ بكسر بيوت الأموال فكسرت أغلاقها، وجعل يفرّقها في الناس بالسوية. [ينظر: البدء والتاريخ ج5 ص208].
الوجه الثالث: ذكرت مصادر العامة أنَّ علياً (ع) رفض الخلافة ولم يقبلها إلَّا بعد أنْ بالغوا في الإلحاح عليه، فقد روى الطبريُّ أنَّ الناس غشُّوا عليَّاً فقالوا: (نبايعك، فقد ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من ذوي القربى. فقال: «دعوني والتمسوا غيري، فأنا لكم وزيراً خيرٌ منّي لكم أميرا»، فأبوا عليه وبايعوه) [ينظر: الفتنة ووقعة الجمل ص93، تاريخ الطبري ج4 ص434، المنتظم ج5 ص65].
الوجه الرابع: لا معنى لترغيب الناس له ببيت المال بعد رفضه تولي الخلافة، وإيثاره الابتعاد عنها، حتى إنه لم يقبل ذلك منهم إلَّا بعد إصرارهم عليه، ففي كتابٍ بعثه إلى طلحة والزبير لما نكثا بيعته: «أما بعد، فقد علمتما -وإنْ كتمتُما-أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وأنَّكما ممَّن أرادني وبايعني، وأنَّ العامة لم تبايعني لسلطانٍ غالبٍ، غاضبٍ، ولا لغرضٍ حاضرٍ، فإنْ كنتما بايعتماني طائعين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب» [الإمامة والسياسة ج1 ص55].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولا وآخرا
اترك تعليق