أين الرحمة في العودة إلى العدم؟
السؤال: لماذا لا يكون الله رحيماً ويرجعنا للعدم إذا لم نكن مؤمنين به في الدنيا التي هي دار اختبار، لا أنْ يدخلنا النار؟
الجواب:
أولاً: إنّ الرجوع إلى العدم ليس رحمة، بل هو نفيٌ للكرامة التي منحها الله للإنسان، وَسَلْبٌ لأعظم نعمةٍ وهبها له وهي نعمة الوجود، فكيف تكون الرحمة في إلغاء أصل الرحمة نفسها؟ وبعبارة أخرى: إذا كان العدم هو نفي الوجود، فكيف يُتصوَّر أنْ تتحقق فيه رحمة؟ فمن يطلب من الله أنْ "يرحمه" بأنْ يعيده إلى العدم، يطلب في الحقيقة زوال كلّ أسباب الرحمة، حاله في ذلك حال من يقول: "لماذا لا يرحم الله الزهرة فيعيدها إلى البذرة أو يفنيها؟"
ثانياً: إنّ الله تعالى لا يعاقب لمجرد عدم الإيمان، بل بعد تمام البيان وإقامة الحجة، كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. فالعذاب في منطق القرآن ليس انتقاماً ولا ردّة فعل، بل هو نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لاختيار الإنسان الحرّ حين يعاند الحقيقة بعد أن تتضح له؛ فالإنسان يُعاقَب على الإصرار الواعي على رفض النور بعد ظهوره، والنار التي يتحدث عنها القرآن ليست ناراً مفروضة من خارج، بل تجسيدٌ لحالة النفس حين تمتلئ بالأنانية والجحود، كما قال تعالى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 7]، فالقلب الكافر لا يُحرق بالنار، بل هو ذاته يتحول إلى نارٍ من الغضب والندم والحرمان من الرحمة، كمن يُصرّ أنْ يعيش في الظلام ثم يشكو من غياب النور.
ثالثاً: لو أنّ الله "أعاد الكافرين إلى العدم"؛ لكان ذلك إبطالاً لنظام العدل والحكمة في الخلق، فالعقل يحكم بأنّ كلّ فعلٍ له نتيجة متناسبة معه، وكما لا يستوي في المجتمع المصلح والمفسد، كذلك لا يمكن في نظام الوجود أن يستوي من سعى إلى الخير مع من أصرّ على الشر، والله لا يظلم أحداً، لكنه لا يلغي نتائج أفعالهم؛ لأنّ إلغاء النتائج ظلمٌ للحق والخير أنفسهما.
الخيار العادل والمنطقيُّ أنْ يصحح الإنسان مساره، ويسعى نحو الخير، ويتجنَّب أسباب الشقاء، لا أنْ يطالب بالعدم هرباً من نتائج اختياره.
ثم إنّ الله لم يغلق باب رحمته، بل فتحه على مصراعيه في الدنيا والآخرة، فأعطى لكلِّ إنسانٍ فرصاً لا تُحصى للتوبة والهداية، وقد ورد في الأثر: «كلُّ أمّتي يدخلون الجنَّة إلَّا من أبى»، أي من رفض بنفسه طريق الرحمة، فمن أراد رحمة الله فليطلبها في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
ولو كان الله يعيد المنكرين إلى العدم، لكان ذلك إلغاءً لحريتهم ومسؤوليتهم، وهو ما يناقض كمال الخالق وعدله، فالعدالة الإلهيَّة تقتضي أنْ يُجازى الإنسان وفق اختياره الذي صنعه بإرادته.
وفي المحصلة، العذاب ليس ظلماً ولا انتقاماً، بل هو نتيجةٌ حتميةٌ لاختيار الإنسان الحرّ، والرحمة الحقيقية ليست في إلغاء الوجود، بل في أنْ يفتح الله أمام الإنسان أبواب الهداية في كلّ مرحلة، ويجازيه بعمله بعد قيام الحجة عليه، وهكذا جمع الله بين الرحمة والعدل في آنٍ واحد: رحم الإنسان بأنْ خلقه وعلّمه وهداه، وعدل فيه بأنْ منحه حرية الاختيار، ثم جازاه وفق ما اختار، ولو أعاده إلى العدم لكان ذلك ظلماً للحقّ الذي أنكره، وللخير الذي فرّط فيه، وللكرامة التي شرَّفه الله بها حين جعله خليفة في الأرض.العنوان:
أين الرحمة في العودة إلى العدم؟
السؤال:
لماذا لا يكون الله رحيماً ويرجعنا للعدم إذا لم نكن مؤمنين به في الدنيا التي هي دار اختبار، لا أنْ يدخلنا النار؟
الجواب:
أولاً: إنّ الرجوع إلى العدم ليس رحمة، بل هو نفيٌ للكرامة التي منحها الله للإنسان، وَسَلْبٌ لأعظم نعمةٍ وهبها له وهي نعمة الوجود، فكيف تكون الرحمة في إلغاء أصل الرحمة نفسها؟ وبعبارة أخرى: إذا كان العدم هو نفي الوجود، فكيف يُتصوَّر أنْ تتحقق فيه رحمة؟ فمن يطلب من الله أنْ "يرحمه" بأنْ يعيده إلى العدم، يطلب في الحقيقة زوال كلّ أسباب الرحمة، حاله في ذلك حال من يقول: "لماذا لا يرحم الله الزهرة فيعيدها إلى البذرة أو يفنيها؟"
ثانياً: إنّ الله تعالى لا يعاقب لمجرد عدم الإيمان، بل بعد تمام البيان وإقامة الحجة، كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. فالعذاب في منطق القرآن ليس انتقاماً ولا ردّة فعل، بل هو نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لاختيار الإنسان الحرّ حين يعاند الحقيقة بعد أن تتضح له؛ فالإنسان يُعاقَب على الإصرار الواعي على رفض النور بعد ظهوره، والنار التي يتحدث عنها القرآن ليست ناراً مفروضة من خارج، بل تجسيدٌ لحالة النفس حين تمتلئ بالأنانية والجحود، كما قال تعالى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 7]، فالقلب الكافر لا يُحرق بالنار، بل هو ذاته يتحول إلى نارٍ من الغضب والندم والحرمان من الرحمة، كمن يُصرّ أنْ يعيش في الظلام ثم يشكو من غياب النور.
ثالثاً: لو أنّ الله "أعاد الكافرين إلى العدم"؛ لكان ذلك إبطالاً لنظام العدل والحكمة في الخلق، فالعقل يحكم بأنّ كلّ فعلٍ له نتيجة متناسبة معه، وكما لا يستوي في المجتمع المصلح والمفسد، كذلك لا يمكن في نظام الوجود أن يستوي من سعى إلى الخير مع من أصرّ على الشر، والله لا يظلم أحداً، لكنه لا يلغي نتائج أفعالهم؛ لأنّ إلغاء النتائج ظلمٌ للحق والخير أنفسهما.
الخيار العادل والمنطقيُّ أنْ يصحح الإنسان مساره، ويسعى نحو الخير، ويتجنَّب أسباب الشقاء، لا أنْ يطالب بالعدم هرباً من نتائج اختياره.
ثم إنّ الله لم يغلق باب رحمته، بل فتحه على مصراعيه في الدنيا والآخرة، فأعطى لكلِّ إنسانٍ فرصاً لا تُحصى للتوبة والهداية، وقد ورد في الأثر: «كلُّ أمّتي يدخلون الجنَّة إلَّا من أبى»، أي من رفض بنفسه طريق الرحمة، فمن أراد رحمة الله فليطلبها في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
ولو كان الله يعيد المنكرين إلى العدم، لكان ذلك إلغاءً لحريتهم ومسؤوليتهم، وهو ما يناقض كمال الخالق وعدله، فالعدالة الإلهيَّة تقتضي أنْ يُجازى الإنسان وفق اختياره الذي صنعه بإرادته.
وفي المحصلة، العذاب ليس ظلماً ولا انتقاماً، بل هو نتيجةٌ حتميةٌ لاختيار الإنسان الحرّ، والرحمة الحقيقية ليست في إلغاء الوجود، بل في أنْ يفتح الله أمام الإنسان أبواب الهداية في كلّ مرحلة، ويجازيه بعمله بعد قيام الحجة عليه، وهكذا جمع الله بين الرحمة والعدل في آنٍ واحد: رحم الإنسان بأنْ خلقه وعلّمه وهداه، وعدل فيه بأنْ منحه حرية الاختيار، ثم جازاه وفق ما اختار، ولو أعاده إلى العدم لكان ذلك ظلماً للحقّ الذي أنكره، وللخير الذي فرّط فيه، وللكرامة التي شرَّفه الله بها حين جعله خليفة في الأرض.
اترك تعليق