هل ينسب كلام الإمام (ع) الصادر تقية إلى الله تعالى؟

السؤال: لو سألت الشيعة مثلا: هل قول جعفر الصادق هو كلام رسول الله، وكلام رسول الله هو كلام الله؟ سيقول: نعم. وحينئذٍ نقول: لو قال جعفر الصادق كلاماً تقية، فهذا كلامٌ ظاهره باطلٌ، فهل هذا الكلام الباطل هو كلام الله؟ إما أنْ يقول "نعم" كلام الله، وهذا كفرٌ وطعنٌ في الله (عزَّ وجلَّ). أو يقول "لا"، وبهذا يبطل قولهم بأنَّ كلام المعصوم هو كلام رسول الله، وهو – بالتالي - كلام الله (عزَّ وجلَّ).

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: هذا الادعاء ناشئٌ من مغالطةٍ في التصوّر؛ إذ يتوهّم صاحبه أنَّ قول الأئمة «كلام الله» يعني الاتّحاد الذاتيّ أو المساواة في المقام، بينما المقصود عند الإماميَّة هو «الواسطة في البيان». فقول الإمام حُجّةٌ إذا صدر في مقام البيان، لأنَّه بيانٌ لبيان النَّبيّ (ص)، وأمّا ما صدر في مقام المداراة والتقية فليس موضوعه التشريع العام حتى يُنسب إلى الله تعالى، وعليه، فقول الشيعة: إنَّ كلام الإمام (ع) كلامُ النَّبيّ (ص)، وكلام النَّبيّ (ص) كلامُ الله، لا يعني مساواة الإمام بالله ولا جعله وحياً مستقلاً، بل يعني أنَّ الإمام لا يتكلم في الدين إلا بما ورثه عن رسول الله، ورسول الله لا ينطق إلا بما أوحاه الله إليه؛ فالكلام واحدٌ من حيث المصدر؛ لأنَّه راجعٌ إلى المنبع الإلهيّ نفسه؛ ولهذا قالوا: «حديثي حديثُ أبي، وحديثُ أبي حديثُ جدي، وحديثُ جدي حديثُ رسول الله، وحديثُ رسول الله حديثُ الله عز وجل». فهذا تسلسلٌ في النقل والبيان لا في التشريع والإنشاء، ومعناه أنَّهم يروون ويبيّنون ما صدر عن الله ورسوله من غير زيادةٍ ولا نقصان.

ثانياً: مفهوم التقية لا يتعارض مع العصمة؛ لأنَّ العصمة لا تقتضي التصريح بالحقّ في كلّ ظرف، بل تقتضي العمل بالحكمة الإلهيّة التي توازن بين بيان الحق وحفظ المصلحة العليا، فقد تقتضي المصلحة أحياناً كتماناً للحق أو إظهار خلافه في الظاهر لدفع مفسدةٍ أعظم، وحينها تكون العصمة في المداراة لا في المواجهة. والتقية في جوهرها أسلوبٌ مشروعٌ لحماية النفس والمؤمنين عند الخطر، وهي مبدأٌ قرآنيٌّ ثابتٌ، قال تعالى: (إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، وقال عن مؤمن آل فرعون: (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ). فهي ليست خروجاً عن الصدق، بل تطبيقٌ لحكمٍ إلهيٍّ يُراعي الظروف؛ ولهذا كانت التقية من تمام العصمة لا من نفيها.

ثالثاً: القول بأنَّ الكلام الصادر تقيةً "باطلٌ"، خطأٌ فادحٌ في الفهم؛ لأنَّ التقية لا تعني أنْ يتكلَّم الإمام بالباطل أو ينطق بخلاف الحق، بل تعني أنْ يُظهر في بعض الظروف ما يوافق ظاهر القوم، من باب المداراة اللفظيّة والسياسيّة؛ ولذلك فالكلام الصادر عن الإمام في التقية لا يُنسب إلى الله تعالى؛ لأنَّه ليس بياناً لحكمٍ شرعيٍّ يُراد به التعليم العام، بل هو تصرّفٌ حكيمٌ في ظرفٍ خاصٍّ يهدف إلى حفظ النفس أو الجماعة المؤمنة أو صيانة الدين من الفتنة.

وقد فرّق علماء الشيعة بدقةٍ بين الحديث الصادر في مقام البيان التشريعيّ، والحديث الصادر تقيةً في مقام المداراة، ووضعوا لذلك ضوابط علميةً دقيقةً، كعرض الحديث على القرآن الكريم، وعلى الأحاديث المتواترة والمجمع عليها، وعلى القواعد الثابتة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ لمعرفة ما صدر تقيةً وما صدر لبيان الحكم الواقعيّ.

رابعاً: الإمام لا يتكلّم في الدين من تلقاء نفسه، سواءً في حال التقية أو غيرها، بل يُراعي دوماً رضا الله وحكمته. فلو قال كلاماً تقيةً فهو مأذونٌ من الله تعالى في ذلك؛ لأنَّ التقية نفسها تشريعٌ إلهيٌّ، وليست خروجاً على الصدق، فهي في الحقيقة تطبيقٌ لحكم الله لا أنَّها مخالفةٌ له؛ ولذلك لا يمكن أنْ تكون التقية باطلاً منسوباً إلى الله، بل هي من تشريعه ورحمته بعباده، وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له».

خامساً: لو طُبِّق هذا المنطق على القرآن نفسه لوقع صاحبه في التناقض؛ لأنَّ الله تعالى حكى في كتابه أقوال الكفار والمنافقين، ومع ذلك تبقى الآيات "كلام الله" من حيث الإنشاء والتعبير، لا من حيث المضمون المنقول، فالله يقول مثلاً: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، وهذا قولٌ باطلٌ، ومع ذلك هو جزءٌ من القرآن الذي هو كلام الله. فلو كان وجود القول الباطل في نصٍّ إلهيٍّ طعناً في الله، لكان القرآن نفسه متضمناً للباطل، وهو ما لا يقول به مسلمٌ.

وفي المحصلة، ليس كلُّ ما ينقله المعصوم أو ينطق به في سياقٍ مخصوصٍ يُعدّ من كلام الله بمعنى التشريع، بل يُفهم بحسب المقام والسياق.

والتمييز بين المقامات أصلٌ من أصول الفهم في كلام المعصومين، فالتقية ليست باطلاً بل تشريعٌ، وكلام الإمام لا يُنسب إلى الله إلَّا في مقام البيان عنه، ونسبة كلام الأئمة إلى الرسول وإلى الله إنَّما هي نسبة مصدرٍ ومرجعٍ في العلم والهداية، لا نسبة ذاتٍ واتحادٍ.

وعليه، فإنَّ الادعاء المذكور قائمٌ على سوء فهمٍ عقائديٍّ ومنطقيٍّ، يُظهر الجهل بحقيقة العصمة والتقية ومعنى حجيّة قول المعصوم في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).