فضل بنات النبي (ص) مقارنة بالسيدة الزهراء (ع)
السؤال: لماذا هناك مئات الأحاديث في فضل فاطمة، ولا نجد إلَّا حديثاً في فضل أمّها خديجة؟ ماذا عن باقي بنات الرسول، زينب ورقية وأمّ كلثوم، لماذا لا نجد حديثاً عن فضائلهنَّ؟ لقد ارتكبْنَ جرماً لا يُغتفر، زينب تزوجت من أبي العاص بن الربيع الأمويّ، ورقية من عثمان الأمويّ، وأمّ كلثوم تزوجت عثمان بعد وفاة رقية.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: إنَّ ما ذُكر من أنَّه (لا يوجد إلَّا حديثٌ واحدٌ في فضل السيّدة خديجة) هو مغالطةٌ واضحةٌ لا تحتاج إلى كثيرٍ من التوقّف؛ إذ إنَّها ناشئةٌ عن قلّة الاطّلاع على مصادر الحديث والسيرة، فالأحاديث الواردة في شأنها كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، وقد وردت في فضائلها نصوصٌ متعدّدةٌ من طرق الفريقين، فلا نطيل في ذكر فضائلها (ع)، إذ توجد أجوبةٌ سابقةٌ على المركز يمكن الرجوع إليها، وهذه بعض عناوينها: (السيدة خديجة في القرآن)، و(خصائص السيدة خديجة).
وثانياً: إنَّ كثرة الأحاديث الواردة في فضل السيدة الزهراء (ع) ناشئٌ عن عظمة مقامها وعلوّ شأنها، وعدم مضاهاة أحدٍ من النساء لها في الفضل والمرتبة؛ إذ إنَّ مرتبتها (ع) - كما أجمعت الإماميّة ووافقهم من يُعتدّ بقوله من علماء العامّة - هي سيدة نساء العالمين، ولا ريب في أنّ مقامها يفوق مقام باقي بنات النبيّ (ص) وزوجاته، ومن ثمّ، فإنَّ كثرة الأحاديث في فضلها أمرٌ طبيعيٌّ، نابعٌ من اهتمام النبيّ (ص) بها، ومكانتها الخاصّة، وحضورها الاجتماعيّ والروحيّ البارز، الأمر الذي أدّى إلى كثرة تدوين سيرتها وبيان مناقبها في مصادر الحديث والتاريخ.
وثالثاً: القول بأنَّ عدم ورود رواياتٍ في فضل زينب ورقيّة إنَّما هو بسبب تزويجهما من عثمان بن عفّان، هو قولٌ غريبٌ ومردودٌ، ناشئٌ عن سوء فهمٍ لموازين الفضل والتفضيل في الإسلام، فالتفاوت في مراتب القرب من الله تعالى بين الأشخاص أمرٌ طبيعيٌّ، ولا يُستنكر أنْ تتفوّق شخصيةٌ على أخرى في الفضل والمقام، حتّى لو كانت من العائلة نفسها؛ فعدم وجود رواياتٍ كثيرةٍ في فضل زينب ورقية وأمّ كلثوم – سواءً كنّ بنات النبيّ (ص) أو ربائبه –، لا علاقة له بزواجهنّ من عثمان أو غيره من الصحابة أو الكفّار في الجاهلية؛ فقد كانت آسية بنت مزاحم زوجةً لفرعون، ومع ذلك جعلها الله تعالى للمؤمنين مثالاً يُحتذَى بها، وصارت قدوةً عظيمةً، وخلَّد ذكرها في القرآن الكريم في قوله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} [التحريم: 11]، كما خلّد ذكر امرأتي نوحٍ ولوطٍ (ع) وجعلهما مثالاً للذين كفروا، فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} [التحريم: 10].
بل إنَّ ربط ذلك الزواج بندرة الروايات مغالطةٌ سببيّةٌ واضحةٌ، تُعرف في المنطق بـ«مغالطة السبب الزائف»، فالعامل الحقيقيّ في قلّة الروايات يرجع إلى عدم وصولهنّ إلى تلك المنزلة الفريدة التي بلغتها الزهراء (ع)، وإلى محدوديّة حضورهنّ وتأثيرهنّ الاجتماعيّ، فضلاً عن قلّة المادة المدوّنة حول سيرتهنّ، لا إلى سببٍ سياسيٍّ أو عائليٍّ.
ولذلك، فإنَّ القول بأنَّ فضل السيّدة الزهراء (ع) إنَّما كان بسبب عدم زواجها من عثمان، أو أنّ غياب الفضائل عن أخواتها كان نتيجة زواجهنّ منه، قولٌ باطلٌ ومجافٍ لروح الدين؛ لأنَّه يجعل المقامات الإلهيّة رهينةً للأحداث الدنيويّة والسياسيّة، فالفضائل التي اختصّت بها الزهراء (ع) عطاءٌ ربّانيٌّ، لا علاقة له بالاعتبارات البشريّة أو القرابات الاجتماعيّة، ومن الخطأ أن يُتعامَل مع القضايا الدينية بهذا المنطق السطحيّ الذي يُفرغها من بعدها الإلهيّ والروحيّ.
ثمّ لو صحّ ربط الزواج بندرة الروايات باعتبار أنّ للشيعة موقفاً سلبيّاً من عثمان، فلماذا كانت الروايات الواردة في فضلهنَّ نادرةً حتّى عند الأمويّين والمخالفين؛ إذ لم يرد في فضلهنَّ أخبارٌ كثيرةٌ؟ وبهذا يتبيّن سخافة هذه الشبهة.
وفي المحصّلة: إنَّ كثرة الأحاديث في فضل الزهراء (ع) ليست أمراً مصطنعاً ولا سياسيّاً، بل نابعٌ من واقعٍ روحيٍّ وتاريخيٍّ موضوعيٍّ، في حين أنّ قلّة الروايات عن غيرها أمرٌ طبيعيٌّ ومنسجمٌ مع تفاوت المقامات والأدوار، لا صلة له بما ذكره المستشكل من أسبابٍ واهيةٍ.
اترك تعليق