لماذا توسل أمير المؤمنين (ع) بالأنبياء (ع) وهو أفضل منهم؟

السؤال: روى الكلينيُّ عن أبي عبد الله (ع) قال: «كان أمير المؤمنين (ع) يقول إذا فرغ من الزوال: اللَّهم إنّي أتقرّب إليك بجودك وكرمك، وأتقرّب إليك بمحمدٍ عبدك ورسولك، وأتقرّب إليك بملائكتك المقربين وأنبيائك المرسلين...»، قال المجلسيَّ: (حسن كالصحيح). من المعلوم في عقيدة الشيعة أنَّ الأئمة الاثني عشر أفضل من الأنبياء والرسل، وأنَّهم هم الوسيلة الى الله؟ فلماذا توسّل عليُّ بن أبي طالب بالأنبياء والملائكة الى الله تعالى؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

التوسّل في اللّغة والشرع يعني اتخاذ وسيلةٍ للتقرّب إلى الله تعالى. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].

فهو بابٌ من أبواب القرب إلى الله، ولا يعني أبداً أنّ المتوسَّل به أعلى مرتبةً من المتوسِّل، بل يعني أنَّ الله جعل هذا المتوسَّل به سبباً من أسباب الرحمة والقرب.

فالأنبياء والملائكة جميعهم وسائط رحمةٍ وهدايةٍ، والتوسُّل بهم لا يتعارض مع كون أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل منهم مقاماً.

بل حتى النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) ـ وهو أفضل الأنبياء والمرسلين باتفاق المسلمين ـ توسّل بالأنبياء السابقين وهم دونه في الفضل.

وقد جاء في الحديث الصحيح عند أهل السنَّة: أنَّه (صلى الله عليه وآله) لـمّا دفن فاطمة بنت أسد (أمّ الإمام علي عليه السلام) قال: «اللَّهم بحقّي وحقّ الأنبياء من قبلي، اغفر لأمّي بعد أمّي» [المعجم الأوسط ج1 ص152، حلية الأولياء ج3 ص121].

وهذا نصٌّ واضحٌ وصريحٌ في أنَّ التوسّل لا علاقة له بالمقامات والدرجات، وإلَّا لكان معنى الحديث أّن الأنبياء السابقين أفضل من النبيّ الخاتم، وهذا باطلٌ بالإجماع.

فإذا كان النبيّ الأعظم يتوسّل بالأنبياء من دونه، فمن بابٍ أولى أنْ يكون توسل أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأنبياء والملائكة تعبّداً وامتثالاً وأدباً إلهياً، لا بياناً لمراتب الفضل أو ترتيب الدرجات. وحين يتوسل امير المؤمنين بالملائكة والانبياء لا يعني أنَّه اقلّ فضلاً منهم، بل يقدّمهم بصفتهم مظاهر رحمةٍ إلهيةٍ وأبواب طاعةٍ تعبّر عن تعظيم الله نفسه، فكأنَّما يقول: "أتقرب إليك – يا رب – بكرامتك التي منحتها لهم، وبمقامهم الذي هو تجلٍّ من تجلّيات رحمتك"، فهو في النهاية توسّلٌ بصفات الله التي ظهرت في عباده المقرّبين، لا بأشخاصهم على نحو الاستقلال.

يُضاف إلى ذلك أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في مقام تعليم الأمة أدب الدعاء، فلو اقتصر على التوسّل بنفسه فقط لظنّ الناس أنّ التوسّل بالأنبياء أو الملائكة غير مشروع، لذلك ذكر جميع وسائط الرحمة الإلهية ليعلّم المؤمنين أنْ يتوسلوا إلى الله بكلّ وسيلةٍ مشروعةٍ تُقرّبهم منه.

وفي المحصلة، الرواية لا تتعارض مع عقيدة التفضيل، بل تؤكدها في أعمق معانيها؛ لأنها تُبرز أنَّ عليّاً (عليه السلام) مع عظم مقامه كان يرى نفسه عبداً خاضعاً أمام كلّ وسيلة قربٍ إلى الله تعالى.