أبو حيان التوحيدي ونهيه عن مصاحبة العلوي
السؤال: قال أبو حيّان التوحيديّ في البصائر والذخائر: (لا ينبغي أنْ تصحب العلويّ فإنَّه يقول: متى شئت بعتك، أنت ومالك لي، والنبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنا وارث النبيّ)! هل قال هذا أبو حيّان مازحاً أم متحريَّاً الحقيقة؟ ولماذا اتُّهِم التوحيديّ بالتشيع كما يُقال وهو يتكلم بكلامٍِ ضدّ أبناء علي (ع)؟
الجواب:
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أوّلاً من تقديم تمهيدٍ موجزٍ عن الكتاب ومنهج مؤلِّفه؛ حيث إنّ فهم طبيعة الكتاب وطريقة بنائه يُسهّل إدراك موضع الإشكال وكيفية التعامل معه.
يُصرّح أبو حيّان التوحيديّ في أكثر من موضعٍٍ أنّ مادّة الكتاب مستفادةٌ ممّا وعاه من المجالس والسماع والمشافهة، ويُعبّر عن ذلك بعباراتٍ من قبيل: (هكذا حفظته من المجالس)، أو (قد حفظتُ من غير معرفةٍ ثمّ سألت العلماء، فوضح الجواب)، وغيرها، وهذا يكشف أنّ الكتاب ليس تدويناً مباشراً من مؤلفاتٍ مكتوبةٍ، بل هو ثمرةُ ما استقرّ في ذاكرة المؤلّف من مجالس العلم والأدب.
ومع ذلك، لم يكتفِ أبو حيّان بالتلقّي الشفهي، بل نقل منتخباتٍ واسعةً من مصادر أدبيّةٍ ومعرفيّةٍ، منها: آثار الجاحظ الذي كان التوحيديّ شديد الولاء له، وكتاب النوادر لابن الأعرابيّ، والكامل للمبرّد، وعيون الأخبار لابن قتيبة، ومجالس ثعلب، والمنظوم والمنثور لابن أبي طاهر، والأوراق للصوليّ، والوزراء لابن عبدوس الجهشياريّ، والحيوانات لقدامة [ينظر: البصائر والذخائر ج1 ص3-7].
وقد سار في ذلك على منهج الجاحظ في المزج بين الجدّ والهزل، وفي الانتقال الحرّ بين الموضوعات، حتّى لا يقع القارئ في الملل. ويمتاز الكتاب بأنّه ذو نزعةٍ نقديّةٍ اجتماعيّةٍ واضحة؛ فهو يوظّف اللطيفة والحكاية والنادرة في نقد أحوال مجتمعه، وكشف الخلل في أكثر المواضع هشاشةً في واقع عصره، مع حفاظه على طابعٍٍ أدبيٍّ ظاهر.
يتبيّن من خلال ما ذكرنا أنّ ما ينقله في كتابه ليس صادراً عن مصادر شيعيّة، لا من قريبٍ ولا من بعيد، وأنّه ينقل في كتابه موادّ متنوّعةٍ يجمع فيها بين الجدّ والهزل، وبين النقد الجدّي والتهكّم اللاذع، بحيث لا يمكن دائماً التمييز مباشرةً بين ما يقصده على وجه الحقيقة، وما يورده على سبيل السخريّة، أو التنفير، أو المحاكاة الساخرة؛ ومن هذا القبيل النصّ محلّ السؤال، حيث يذكر التوحيديّ أنَّه سمع أبا حامد المروزيّ يقول لأبي طاهر العبادانيّ: (لا ينبغي أنْ تصحب ثلاثةً: الجنديّ، والعلويّ، والصوفيّ)، ثمّ يمضي في بيان التعليلات الثلاثة بأسلوبٍ مبالغٍٍ ساخر، كقوله إنّ العلويّ يقول: (أنت ومالك لي، لأنّي وارث النبيّ)، أو إنّ الصوفيّ إذا أنفقت عليه يقول باستخفاف: (من أنت؟ بهذا كلّه أُمرت!) [البصائر والذخائر ج2 ص48].
وتزداد الطبيعة التهكّمية للنصّ وضوحاً إذا لاحظنا أنَّ التوحيديّ نفسه ذو ميولٍ صوفيّةٍ، بل من كبارهم، وقد عبّر في مواضع أخرى عن احترامه لأهل السلوك، مع انتقاده الشديد لغلاة المتصوّفة، والمتصوّفة الدجّالين، وهذا يُثبت أنَّه لا يتبنّى إطلاقاً الأحكام الجارحة الواردة في هذا القول، وإنّما يستعمله لإبراز المفارقات والانحرافات الاجتماعيّة التي يهاجمها في إطار بنائه الأدبيّ الخاص.
وعليه، فالمقطع المذكور لا يصلح للاستدلال على موقفٍ سلبيٍّ أصيلٍ من العلويّ-مع أنَّه كلام لا واقع له- بل هو جزءٌ من الأسلوب الذي يمزج فيه بين الجدّ والهزل، ويورد الأقوال الطريفة دون التزام بحرفيّتها أو صدقها، كما ذكرنا في تحليل منهجه وطريقة كتابته.
وأمّا ما نقل من كونه شيعيّاً - وإنْ لم يذكر كبار المترجمين له هذا الوصف؛ إذ تُنسب إليه عادةً اتجاهات أخرى كالتصوّف [ينظر: معجم الأدباء ج5 ص1924، طبقات الشافعيّة ج4 ص2]، أو الزندقة [ينظر: ميزان الاعتدال ج4 ص518، سير أعلام النبلاء ج17 ص119]، أو كونه من فقهاء الشافعيّة [ينظر: لسان الميزان ج7 ص37] - فإنّ ثمّة مجموعة عوامل لعلَّها تُوهم بعض الباحثين بوجود نزعةٍ شيعيّةٍ عنده، ويمكن إجمال هذه العوامل ثمّ تقويمها على ضوء منهجه وكتاباته.
أحد هذه العوامل: أنَّ التوحيديّ يورد في كتابه موقفاً يماثل ما ذهب إليه الزيديّة القدماء في تفضيل موقعٍٍٍ خاصٍ للإمام عليّ (عليه السلام) بين الصحابة، فهو يصف الإمام بأنَّه بحر العلم، وقرين الهداية، ويشير إلى أنَّ أتباعه اختلفوا في شأنه أكثر ممّا أصغوا إلى أوامره ونواهيه، ويرى أنَّ الغلو ظهر مقابلاً لتفريط الخوارج، كما ينقل عن الخليل بن أحمد مقولةً معروفةً، مفادها: أنَّ الصحابة تعاملوا مع بعضهم باعتبارهم إخوةً أشقاء، أمّا مع عليّ (عليه السلام) فتعاملوا معه كأخٍٍ غير شقيق؛ لأنَّه جمع فضائلهم كلّها في شخصه. ويذكر في مواضع أخرى: مكرَ معاوية أو شدّة حكمه، ويسخر في إحدى الحكايات من الغلاة في تمجيده.
وهذه العبارات ليست دليلاً على تشيّعٍ عقديّ، بل على إعجابٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ شائعٍ في البيئة البويهيّة.
ومن العوامل الأخرى: أنَّ فكر التوحيديّ معتزليّ النزعة، والمعتزلة قريبون من الإماميّة في جملةٍ من المبادئ الكلاميّة، حتّى أنَّ السيّد المرتضى اتُّهم في بعض العصور بالاعتزال لوجود مشتركاتٍ بين المدرستين.
وهذه الملابسات قد تُوحي لغير المتخصّصين بأنَّه كان شيعيّاً.
لكنّ مراجعة كتبه ومحتوى أفكاره تُظهر بوضوح أنَّه ليس شيعيّاً، لا على جهة الاعتقاد، ولا على جهة الالتزام، أمّا ما يظهر فيها من مدحٍ لأهل البيت فيُحمل على قاعدة «الفضل ما شهدت به الأعداء»، أو على كونه من أساليب الثناء الأدبيّ المتداول في عصره، لا أنَّه دلالةً على الانتماء العقديّ.
للمزيد من البحث ينظر: مقدّمة تحقيق كتاب البصائر والذخائر، ومقدمة تحقيق كتاب الصداقة والصديق، بحث تحت عنوان أبو حيّان التوحيديّ بقلم عليرضا ذكاوتي، ج1 ص164.
اترك تعليق