اعتبار حديث الكساء الفاطمي
السؤال: ما رأيكم في حديث الكِساء الفاطميّ المرويّ عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ عن السيِّدة الزهراء (عليها السلام)، فهل هو مُعتبرٌ أولا، نرجو بيان ذلك مع شيءٍ من التفصيل والتحقيق؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لابدَّ من التنبيه على أنَّ (أصل) حديث الكِساء متواترٌ في كتب الفريقين، وإنّما الكلام في صيغته المروية بالإسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، وهو المعنيُّ في هذا الجواب، فتنبَّه.
إذا بان هذا التمهيد، فلنعقد الكلام في ذكر أمور:
الأمر الأوَّل: في مصدر حديث الكِساء:
الظاهر بحسب التتبع أنَّ أوَّل من أشار إلى مقطعٍٍ منه هو المحدِّث الديلميّ من أعلام القرن الثامن في كتابه [غرر الأخبار ودرر الآثار ص298]، ومن بعده رواه مرسلاً العلَّامة الفقيه الشيخ فخر الدين الطريحيّ المتوفَّى (1085هج) في كتابه الشهير [المنتخب ج2 ص239]، ومن بعدهما العلَّامة المحدِّث الشيخ عبد الله البحرانيّ المتوفَّى (1130هج) في كتابه المعروف [عوالم العلوم ج11 ص927]، ومن ثمَّ تناقله جمعٌ من الأعلام، ومنه يظهر أنَّ أصله من مرويات القرن الثامن الهجريّ.
الأمر الثاني: في سند حديث الكِساء:
اختلفتْ كلمات العلماء بشأن صحَّة سند حديث الكِساء الفاطميّ، وانقسموا إلى رأيين رئيسيين: يرى البعض منهم أنَّ السند ضعيف، بينما يميل الأغلبية إلى اعتباره صحيحاً، وفيما يأتي توضيحٌ لهذه الآراء بشكل مفصَّل.
الرأي الأوَّل: ضعف السند:
1ـ فقد قال السيِّد العسكريّ: (اتفقتْ الروايات السابقة في كتب الفريقين على أنَّ آية التطهير نزلت على رسول الله في بيت أم سلمة، وقد أجلس حوله أهل بيته وجلَّل نفسه وإيَّاهم بالكِساء، وعارضت تلكم الروايات روايةٌ واحدةٌ غير معروفة السند تذكر أنَّ القصَّة وقعت في دار الزهراء بكيفيةٍ أُخرى، غير أنَّ هذه الرواية الواحدة لا تناهض تلك الروايات الكثيرة سنداً ومتناً، ولم نرَ حاجة للتعرُّض لذكرها ومناقشتها) [حديث الكِساء في مصادر الفريقين ص50].
2ـ يظهر من كلمات الشيخ الريشهريّ أنهّ (موضوع) فضلاً عن ضعفه السنديّ، حيث قال: (شاع أخيراً حديث يحمل عنوان حديث الكِساء، وهو واهٍ لا أساس له) [أهل البيت في الكتاب والسنة ص 39]. فقوله: (لا أساس له) يدلُّ على وضع الحديث وكذبه بحسب رأيه، ولكنه لم يذكر دليلاً ناهضاً على ذلك.
الرأي الثاني: صحة السند:
1ـ فقد أجاب المرجع الدينيّ الأعلى آية الله العظمى السيِّد السيستانيّ (دام ظلُّه) عن سؤال في حديث الكِساء، هذا نصُّه: (هل حديث الكِساء الوارد في مفاتيح الجنان عن كتاب عوالم العلوم صحيح السند؟ حيث جاء جوابه: نعم، صحيح السند) [يُنظر: حديث الكِساء للسيِّد محمَّد العلي ص30].
2ـ وأجاب المرجع الدينيّ آية الله السيِّد محمَّد صادق الروحانيّ عن حديث الكِساء، فقال: (سند الحديث ابتداءً بصاحب العوالم (قدِّس سرُّه) وانتهاءً بالصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ (رضوان الله عليه) في غاية الاعتبار، وليس يوجد فيه مَن يُمكن أنْ يُغمز في وثاقته إلَّا (القاسم بن يحيى) والصحيح عندنا وثاقته، لرواية البزنطيّ عنه، الذي قد ثبت في حقِّه أنَّه لا يروي إلَّا عن ثقة -ومع الإغماض عن ذلك - فإنَّ نفس صحَّة السند للبزنطي كافيةٌ لاعتباره، ولا حاجة للنظر في أحوال الواقعين بعده؛ لأنَّه أحد الذين أجمعت الطائفة على تصحيح ما صحَّ عنهم، فسند الحديث صحيح بلا إشكال) [أجوبة المسائل ج2 ص107، وانظر: حديث الكِساء للسيِّد محمَّد العلي ص31].
3ـ وأجاب المرجع الديني آية الله الشيخ بشير حسين النجفيّ عن حديث الكِساء، فقال: (حديث الكِساء الموجود في مفاتيح الجنان ثابتٌ عندي بلا إشكال بطريقٍ معتبرٍ، والتشكيك فيه دليلٌ على الفراغ العلمي، والله العالم) [يُنظر: حديث الكِساء للسيِّد محمَّد العلي ص32].
4ـ وأجاب المرجع الدينيّ آية الله السيِّد كاظم الحائريّ عن سؤال حول زيارة عاشوراء والجامعة وحديث الكِساء، فقال: (لا مورد للسؤال عن زيارة عاشوراء وحديث الكِساء والزيارة الجامعة فإنها من المسلَّمات) [يُنظر: حديث الكِساء للسيِّد محمَّد العلي ص32].
5ـ وقال السيِّد محمَّد الشيرازيّ: (أمَّا سند حديث الكِساء، فقد رواه والدي (رحمه الله) في رسالةٍ مخطوطةٍ له، بسندٍ صحيحٍ متَّصل الإسناد، وكلُّ واحدٍ منهم من الأعلام) [من فقه الزهراء ج1ص4].
6ـ وقال السيِّد محمَّد الميلانيّ: (ولدينا أحاديث كثيرةٌ تنتهي إلى سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) ... إلى قوله: وأروي حديث الكِساء بسندٍ صحيح متَّصل عن جابر بن عبد الله) [الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء للخوئيني ج19 ص458].
7ـ وقال السيِّد عبَّاس الكاشانيّ: (وأمَّا حديث الكِساء اليمانيّ الشريف بالألفاظ المخصوصة المتداولة قراءتها تبركاً وتيمناً سيِّما عند الشدائد والبليَّات، ولدى تنفيس الكربات والتوسُّل ساعة البلايا بقاضي الحاجات، فقد ذكره أيضاً جماعةٌ من عظماء العلماء الثقات في مؤلَّفاتهم القيِّمة ... ولجلالة قدر هذا الحديث الجليل بالعبارات المشهورة وعظم شأنه ورفيع مقامه وسمو مرتبته وقوَّة سنده قد كان يتلى في مجالس السلف الصالح من فطاحل المجتهدين وأعاظم العلماء المحقِّقين من قديم الأيَّام إلى زماننا هذا، وذلك عندما يحدث من المهمَّات ما يخاف منها، لما ذُكِر فيه من قضاء الحوائج وتفريج المهمات،ومعلوم أنَّ تلاوته في أمثال هذه المجالس وبحضور المجتهدين الكبار الذين هم قطب رحى التحقيق وخرِّيت فن التدقيق وعدم استنكارهم له لهو أقوى دليلٍ واضحٍ، وبرهان ساطع على صحَّة سنده، وأهمية قراءته وفضل تلاوته) [مصابيح الجنان ص825].
8ـ وقال السيِّد محمَّد علي بن السيِّد هاشم العلي: (وسند هذا الحديث صحيحٌ معتبرُ، وهو يشتمل على خصوصية من شأنها أنْ تزيد في الوثوق بصحَّته وتعطي درجةً عاليةً من الاطمئنان بصدوره، وهذه الخصوصية هي كون السند يشتمل على أكابر علماء الطائفة ومحققيهم، وهذه الخصوصية لا تكاد تراها في سند حديث غيره حتَّى الأحاديث الواردة في الأحكام. وقد رواه المرحوم آية الله السيِّد عبَّاس الكاشاني (قدِّس سرُّه) بسنده المتصل. ورواه آية الله السيِّد محمَّد الميلانيّ بسندٍ صحيح متصل بجابر بن عبد الله الأنصاريّ عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ورواه كذلك سماحة العلَّامة السيِّد صادق الشيرازيّ بسندٍ آخر ... وقد ذكر سماحة آية الله السيِّد محمَّد ابن آية الله العظمى السيِّد مهدي الشيرازيّ (قدِّس سرُّه) في كتابه فقه الزهراء (عليها السلام) ما نصُّه: (أمَّا سند حديث الكِساء، فقد رواه والدي في رسالةٍ مخطوطةٍ بسندٍ صحيحٍ متصل الإسناد، وكلُّ واحدٍ منهم من الأعلام». وبالجملة: فهذا الحديث قد روي بأربعة أسانيد، مضافاً إلى ما ذكره في الذريعة من أنَّ له عدة أسانيد، وعلى هذا يكون هذا الحديث في أعلى مراتب الصحة والاعتبار؛ ولأجله صار هذا الحديث موضع إجلال واحترام عند جميع الطبقات في الطائفة) [حديث الكِساء ص23].
9ـ وقال العلَّامة السيِّد محمَّد علي الحلو بعد كلامٍ له في السند: (... السند الذي أورده الأبطحي عن عوالم العلوم عن نسخة البافقي هو سند الحديث، وسلسلة أساطين علماء الإمامية يغنينا عن البحث في سنده، بل يدفعنا للبخوغ بصحته والتسليم له بكلِّ اطمئنان) [مشاهدات الملأ الأعلى ص21]. إلى غير ذلك من كلمات الأعلام، كما لا يخفى على المطالِع.
الأمر الثالث: اهتمام الأعلام:
لا يخفى أنَّ العديد من العلماء قد اهتمُّوا بحديث الكِساء الفاطميّ بشكلٍ واضح، وذلك من خلال الاهتمام بروايته، وكتابة الإجازات عليه، وكذلك نظمه شعراً، وغيرها من صور الاهتمام كما هو واضح، من ذلك:
1ـ ما قاله (المحدِّث الجليل الشيخ محمَّد باقر البيرجندي المتوفَّى (1352هج) في الكبريت الأحمر ما تعربيه: وأمَّا الرواية المفصَّلة المشهورة التي شاعت في هذا العصر تلاوتها في مجالس المؤمنين وجرِّبت في التوسُّل بقراءتها في قضاء الحوائج.. وقال في موردٍ آخر: أعلم أنَّ هذه الفضيلة ـ أي: ما قرئ خبرنا هذا في محفل ـ وردت في خصوص هذا الخبر، حتَّى نقل الآخوند ملَّا عبد الخالق اليزديّ صاحب معين المجتهدين في الأصول في كتاب بيت الأحزان عن بعض العلماء: أنَّ المجلس الذي يقرأ فيه هذا الحديث يحضره صاحب العصر (عجَّل الله فرجه الشريف)) [حديث الكِساء للسيِّد محمَّد العلي ص29].
2ـ وما قاله السيِّد المرعشيّ: (لنختم الكلام بإيراد نسخة من حديث الكِساء، سائرة دائرة في مجالس المؤمنين، شيعة آل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يٌستشفى بقرائته عند المرضى، ويطلب قضاء الحاجات) [شرح إحقاق الحق ج2 ص553].. وما قاله أيضاً: (وقد نظم هذا الحديث الشريف عدَّة من نوابغ الأدب وفرسان الشعر من أصحابنا وغيرهم) [شرح إحقاق الحق ج2 ص558]. وذكر عدداً منهم فراجع إنْ رُمت ذلك.
3ـ وكذلك ذكر العلَّامة الشيخ آغا بزرك الطهرانيُّ عدداً ممن نظم الحديث شعراً [يُنظر: الذريعة ج24 ص ٢٠5وما بعدها].
الأمر الرابع: قاعدة التسامح:
يرى المشهور من الأعلام أنَّ أحاديث الفضائل والمناقب والمستحبات وما أشبه ذلك من غير الالزاميات مشمولةٌ لقاعدة التسامح في أدلَّة السنن، بمعنى أنَّ السنن والمستحبات لا يدقق في أسانيدها وإنما يتسامح، وقد استندوا في ذلك إلى جملةٍ من الروايات الصحيحة التي تسمَّى بأحاديث من بلغ؛ وبناءً على ذلك يكون حديث الكِساء الفاطميّ مشمولاً لتلك القاعدة كما هو واضح وبيِّن.
قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ: (... لكن حيث لا إشكال خاصَّاً في مضمون الحديث، ويرى بعض الأعلام أهمية قراءته، واستناداً لـ(أحاديث من بلغ)، فإنَّه يُمكن قراءته بقصد رجاء المطلوبيّة والأمل في قضاء الحاجات) [المفاتيح الجديدة ص٨٢٦].
وقال الميرزا التبريزيّ في جواب سؤالٍ وجِّه إليه: (حديث الكِساء مشهور، والثواب المنقول يُعطى للقارئ والمتوسِّل بقراءته، ومن ورد في حقِّهم الحديث إلى الله (سبحانه وتعالى) عند الحاجات) [الأنوار الإلهية ص 109].
والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك، هي القول باعتبار حديث الكِساء الفاطميّ وإمكان الأخذ به والتعويل عليه، لما ذكرنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق