هل كان النبي (ص) يحكم بالهوى أم بالوحي؟
السؤال: يقول المستشرقون: إنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) كان يسير وفقاً لهواه ومزاجه، لا بأمر وحيٍّ يرشده، ولا بهدي دينٍ يقوده، وإنَّما الهوى هو الذي يسيّره كيف يشاء. يقول جلاوور في كتابه (تقدم التبشير العلميّ): (كان محمدٌ حاكماً مطلقاً، وكان يعتقد أنَّ من حقّ الملك على الشعب أنْ يتبع هواه، ويفعل ما يشاء. فقد كان عازماً على أنْ يقطع عنق كلِّ من لا يوافقه في هواه، أما جيشه العربيُّ فكان يتعطش للتهديم والتغلب، وقد أرشدهم رسولهم أنْ يقتلوا كلَّ من يرفض إتّبّاعهم).
الجواب:
نصّ السؤال منقولٌ - كما هو - من بحثٍ بعنوان «شبهات المستشرقين حول السُنّة النبوية والردّ عليها»، ويبدو أنَّ السائل لم يقنعه الردُّ الوارد في ذلك البحث، فأعاد توجيه الشبهة إلى مركزنا طلباً لجوابٍ أوفى.
والواقع أنَّ الكلام المنسوب إلى الدكتور غلاوور ليس بحثاً علمياً، ولا عرضاً موضوعياً يمكن مناقشة شواهده، بل هو مجرّد خطابٍ دعائيٍّ متشنّجٍ يخلو من أيّ دليل، ولا يُظهر إلَّا نزعًة عدائيَّةً لا تخفى على أحد، ومع ذلك، فإننا سنجيب عنه دفعاً لكلّ ما قد يلتبس على البعض؛ لأن عدداً من المستشرقين ـ بدوافع دينيَّةٍ أو سياسيَّةٍ ـ يميلون إلى تشويه صورة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أو إسقاط قدسية القرآن؛ تمهيداً لزعزعة ثقة المسلمين بدينهم.
ومحور الشبهة التي يثيرونها: أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) كان يتحرّك وفق هواه، وأنَّ دعوته لم تكن إلَّا نزوةً، أو شهوة سلطة، وهذا الاتهام ينهار بمجرد النظر في النصوص القطعيّة للقرآن والسيرة.
فأوَّل ما يُجاب به: أنَّ القرآن ـ وهو الوثيقة الأولى في الإسلام ـ يصرّح تصريحاً لا يحتمل التأويل بأنَّ النبيَّ لا ينطق من تلقاء نفسه، وأنَّ الوحي هو الذي يوجّهه، ويقوّمه، ويمنعه من إتّباع أيّ ميلٍ بشريّ، قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3ـ4]، وقال سبحانه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 44ـ45]، وهي آياتٌ فريدةٌ في تاريخ الرسالات، إذ لا نعرف كتاباً سماويّاً يجعل القائد الدينيَّ تحت رقابةٍ إلهيّةٍ صارمةٍ إلى هذا الحد، بحيث تنهدممعها كلُّ فرضيَّةٍ تتهم النبيَّ بالهوى أو الاستبداد.
ثم إنَّ مراجعة السيرة النبويّة الموثوقة تكشف بوضوحٍ أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) كان أبعد ما يكون عن نموذج الطغاة الذين يحكمون بالهوى والقهر، فقد أمضى ثلاثة عشر عاماً في مكة تحت الاضطهاد والمطاردة، وتعرّض فيها أصحابه للحصار والتجويع، وتعرّض هو نفسه للرمي بالحجارة والاستهزاء، ومع ذلك لم يرفع سيفاً، ولم يأذن لأصحابه بردّ العنف، بل صبر ودعا بالحكمة. وحين تبدّلت الأحوال وفتح مكة ودخلها فاتحاً بعد سنواتٍ من القتال والعداء، وقع أعداء الأمس بين يديه، ومع ذلك عفا عنهم جميعاً عفواً شاملاً لم يُسجَّل في تاريخ الفاتحين مثله، فلم ينتقم من أحد، ولم يُقم بسياسة تصفيةٍ أو انتقام، بل قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
والأعجب أنَّ المستشرقين يصفونه حاكماً مطلقاً، في حين أنَّ أول ما قام به في المدينة كان وضع ميثاقٍ مدنيٍّ تشاركيٍّ غير مسبوق، عُرف بـ «صحيفة المدينة»، وهذا الميثاق أشبه بدستورٍ ملزم، يحدّد الحقوق والواجبات لجميع سكان المدينة من مسلمين ويهود وقبائل مختلفة، وينصّ على وحدة المجتمع، وعلى أنَّ الفصل في النزاعات يكون وفق مبادئ العدل، لا وفق سلطة الفرد.
فأيُّ حاكمٍ مستبدٍ يقيّد نفسه بنصوصٍ دستوريّةٍ تلزمه بما يُلزم الآخرين، وتؤسس لمبدأ المواطنة والعدل والمساواة؟
ومن بعد ذلك جاءت الغزوات النبويّة لتنسف دعوى «قتل كلّ من يخالفه»، فقد ثبت تاريخيّاً أنَّ معظم الغزوات لم تكن مبادراتٍ هجوميّة، بل كانت دفاعاً عن الوجود الإسلاميّ، أو ردّاً لعدوانٍ وقع فعلاً، أو حمايةً لقوافل المسلمين التي كانت تتعرّض للنهب المستمر، أو لمنع حصارٍ يهدّد المجتمع الناشئ.
ومع ذلك، كان النبيّ يعفو حتى في مواضع القوة، ويقدّم خيار الصلح على القتال، ويحفظ للخصم كرامته متى اختار السلم، {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61]. وهو سلوكٌ لا ينسجم مع أيّ تصورٍ عن قائدٍ يسير وفق مزاجٍ شخصيٍّ أو نزعة انتقاميّة.
أما قوله: إنَّ النبي كان يريد "قطع عنق كلّ من لا يوافقه في هواه" فهو ادعاءٌ لا يثبت أمام أبسط مراجعةٍ لوقائع السيرة؛ فاليهود في المدينة بقوا على دينهم سنواتٍ طوالاً، ولم يُكره أحدٌ منهم على الإسلام، وكذلك النصارى الذين دخلوا مع النبيّ في معاهدات صلح، مثل نصارى نجران الذين ناقشوه، ثم عادوا إلى بلادهم دون أنْ يُفرض عليهم الإسلام.
فهل هذا فعل رجلٍ يتعطش للقتل، أم نموذج لقائد يقيم دولة على التعايش الدينيّ ويضع {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، دستوراً ثابتاً لسلطانه؟ فمن لم يعتدِ عليه يقابله بالبر والعدل، امتثالاً لقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وأما تصوير جيش المسلمين بأنَّه جيشٌ "متعطّشٌ للتهديم والتغلب"، فهو جهلٌ بالتاريخ، أو تعمّدٌ لطمس حقائقه؛ فالتوجيهات التي كان النبيُّ يعطيها جنوده قبل أيّ قتالٍ تكفي وحدها لنقض هذا الادعاء، فقد أوصى صراحةً بأنْ لا يُقتل شيخٌ، ولا امرأةٌ، ولا طفل، وأمرهم أنْ لا يقطعوا شجراً، ولا يحرقوا زرعاً، وأنْ لا يغدروا ولا يمثّلوا بأحد.
وهي تعليماتٌ لا نجد لها مثيلاً عند قادة الحروب في ذلك العصر، بل حتى في عصورٍ لاحقة، وهذه الوصايا لا تنسجم مع عقليّة الغزو ولا مع نزعة التدمير، وإنَّما تعبّر عن نبيٍّ يريد تهذيب الحرب نفسها، وتقليل آثارها قدر الإمكان، وتحويلها من ممارسةٍ همجيّةٍ إلى سلوكٍ منضبطٍ تحكمه الأخلاق والقيم.
وفي المحصلة، ادعاء المستشرقين يقوم في جوهره على قراءةٍ مجتزأةٍ لا ترى من السيرة إلَّا موضع السيف، مع أنَّه لم يكن إلَّا أداة دفاعٍ اضطراريّةٍ، ولا تلتفت إلى السنين الطويلة التي قضاها النبيُّ (صلى الله عليه وآله) داعياً بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا إلى عفوه عند المقدرة، ولا إلى النصوص القرآنيّة التي قدّمته عبداً لله قبل أنْ يكون قائداً لأمة.
وهذه القراءة الانتقائيّة لا تقوم على أساسٍ علميٍّ أو تاريخيّ، بل تعبّر عن رغبةٍ قديمةٍ لدى بعض المستشرقين في تحويل أعظم تجربةٍ إيمانيّةٍ عرفها التاريخ، إلى مجرد حركة قوةٍ وهيمنة.
والحقيقة التي يثبتها القرآن والسيرة معاً: أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان الرحمة الإلهيّة المُهداة للبشرية كافة، وأنَّه كان من أعدل القادة وأحكمهم، وأنَّ دولته قامت على الوحي لا الهوى، وعلى العدل لا السيف، وعلى هداية الإنسان، لا السيطرة عليه، ومن يفهم سيرته كما هي، لا كما تُجتزأ وتُشوَّه، يدرك أنَّ مشروعه لم يكن طموح قوة، بل رسالة نورٍ هزمت الظلم بالرحمة، والجهل بالمعرفة، والقوة بالعدل.
اترك تعليق