هل مدح محمد ابن الحنفية يزيد بن معاوية؟

السؤال: روى ابن كثيرٍ أنَّ عبد الله بن مطيعٍ - وكان داعيةً لابن الزبير - مشى من المدينة هو و أصحابه إلى محمد ابن الحنفيَّة، فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيعٍ: إنَّ يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدّى حكم الكتاب. فقال محمد: ما رأيتُ منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمتُ عنده فرأيته مواظباً على الصلاة، متحريَّاً للخير، يسأل عن الفقه ملازماً للسنة، قالوا: ذلك كان منه تصنعاً لك .. الخ. [البداية والنهاية ج١١ ص ٦٥٣].

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيدك الله - أنَّ هذا الخبر لم يرد في مصادرنا الشيعيَّة، وإنما ورد في بعض مصادر العامَّة، وأوّل مَن نقله مسنداً هو الحافظ الذهبيّ [ت748هـ] إذ قال: (وزاد فيه المدائنيّ، عن صخرٍ، عن نافعٍ: فمشى عبد الله بن مطيعٍ وأصحابه إلى محمد بن الحنفيَّة...) [تاريخ الإسلام ج5 ص274، وينظر: سير أعلام النبلاء ج4 ص40]، ونقله أيضاً ابن كثيرٍ في [البداية والنهاية ج١١ ص ٦٥٣].

ويلاحظ عليه: أنَّ في الإسناد صخرَ بن جويريَّة، الذي هو وإنْ كان ثقةً، إلّا أنَّه قد تُكلِّم فيه من جهة كتابه الذي كان يحدّث منه، حيث ضاع منه ووُجِد فيما بعد، قال يحيى بن سعيدٍ القطّان: (ذهب كتاب صخرٍ، فبُعث إليه من المدينة)، وقال يحيى بن معينٍ: (صخر بن جويريَّة ليس بالمتروك، إنَّما يُتكلَّم فيه لأنَّه يُقال: إنَّ كتابه سقط) [تهذيب التهذيب ج6 ص57]. فلعلَّ هذه الزيادة – التي انفرد بها صخرٌ – قد أُضيفت إلى هذا الكتاب وليست من أصله.

وقد علّق بعض الباحثين المعاصرين على الخبر – بعد نقله عن الذهبيّ –: (نلاحظ مما سبق قول الذهبيّ: «وزاد فيه المدائنيّ»، وهذه الزيادة التي جاء بها المدائنيّ قد انفرد بها، وهو غير موثوقٍ، ولم أقف على روايةٍ للمدائنيّ عن صخرٍ إلَّا هذه، ولم أجد هذه الزيادة في جميع المصادر المتقدمة التي وقفت عليها، فيُحْتَملُ أنَّها أضيفت إلى كتب المدائنيّ؛ لأنَّها تعارض روايات المدائنيّ السابقة التي جاءت باتهام يزيد بن معاوية بشرب الخمر) [الخلافة الأمويَّة ص250].

أقول: كان ينبغي لهذا الباحث أنْ يعلّل الخبر بكتاب صخرٍ الذي فُقد ثم وُجد؛ لأنَّ المدائنيَّ منصوصٌ على وثاقته، فتأمّل.

ثمّ أقول: نقل الحادثة البلاذريّ مرسلةً بقوله: (..فلمّا قتل الحسين بن عليّ، وكان من ابن الزبير ما كان.. كتب يزيد إلى ابن الحنفيَّة يعلمه أنْ قد أحبّ رؤيته وزيارته إياه، ويأمره بالإقبال إليه... ومضى إلى يزيد.. وكان يزيد يتصنع لابن الحنفيَّة ويسأله عن الفقه والقرآن... وشخص من الشام حتى ورد المدينة، فلما وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى ابن الزبير.. فقالوا لابن الحنفيَّة: أخرج معنا نقاتل يزيد، فقال لهم محمد بن عليّ: على ماذا أقاتله ولم أخلعه؟

قالوا: إنَّه كفر وفجر، وشرب الخمر، وفسق في الدين، فقال لهم محمد بن الحنفيَّة: ألا تتقون الله هل رآه أحدٌ منكم يعمل ما تذكرون، وقد صحبته أكثر مما صحبتموه فما رأيتُ منه سوءاً..) [أنساب الأشراف ج3 ص469].

والملاحظ أنَّ يزيد أشخص ابن الحنفيَّة إليه، ولم يذهب إليه من تلقاء نفسه، وأنَّ يزيد كان يتصنّع له. وقد كان تصنّع يزيد من الوضوح بمكانٍ، حتّى أنَّ ابن الحنفيَّة لمّا تظاهر بالدفاع عنه بقوله: (ما رأيتُ منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمتُ عنده، فرأيته مواظباً على الصلاة.. قالوا: فإنَّ ذلك كان منه تصنعاً لك). وليس ذلك إلّا لتواتر الأخبار في فسق يزيد وكفره وجوره وظلمه.

ومن ذلك: أنَّ وفداً من أهل المدينة قدموا على يزيد بدمشق، (فلمّا رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصلاة عن وقتها، بسبب السكر، فاجتمعوا على خلعه، فخلعوه عند المنبر النبويّ) [البداية والنهاية ج6 ص262].

والوجه في تظاهر محمد ابن الحنفيَّة في الدفاع عن يزيد وعدم نقضه بيعته: أنَّه صدر منه فراراً عن إجابة الزبيريِّين إلى حرب يزيد ومبايعة ابن الزبير، وإلا فكلّ من قرأ التاريخ يعلم أنَّ ابن الحنفيَّة لم يعاشر يزيد إلا في سويعاتٍ من أيّامٍ قليلةٍ، وقضيَّة فسق يزيد وشربه الخمر وارتكابه المنكر من أوضح الواضحات آنذاك عند المسلمين؛ ولذا لم يتمكّن حتّى النواصب من إنكار ذلك، كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبيّ وغيره ممّن ترجمه.

ويظهر أنَّ محمد ابن الحنفيَّة قد استعمل التورية، وذلك لأنهُ صرّح بعدم رؤية يزيد يفعل الفسوق بعينه؛ ولذا أجابوه بقولهم: (فإنَّ ذلك كان منه تصنعاً لك)، ولم يكن ابن الحنفيَّة ممّن تنطلي عليه مثل هذه التصنّعات لينكر الأخبار المتواترة، خصوصاً ما صدر عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في شأنه، فلم يكن غرض ابن الحنفيَّة مدح يزيد والدفاع عنه حقيقةً، وإنّما أراد عدم الانجرار إلى مطامع آل الزبير، حيث إنَّ مجرد تأييده لهم يمثل الضوء الأخضر للشيعة بالانخراط لمبايعة ابن الزبير ونصرته؛ لأنَّ ابن الحنفيَّة كان من كبار العلويِّين آنذاك، والمتصدّي للشأن العامّ عنهم، وله مكانةٌ كبيرةٌ عند الشيعة، وكل فعلٍ يصدر منه له قيمةٌ واعتبارٌ؛ لذا كان ابن الزبير يصرّ على مبايعته ونصرته له.

ولعلّ إصرار ابن الحنفيَّة على عدم المجاهرة ضدّ يزيد وعدم مبايعة ابن الزبير – إضافةً لعدم استحقاقه للخلافة -، ناشئٌ من علمه المسبق بما سيجري من إحداثٍ ونكباتٍ بأهل المدينة بما أخذه عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، أعني واقعة الحرّة لمّا استباح جيش يزيد المدينة ثلاثة أيامٍ، فقتلوا رجالها وهتكوا نساءها، فأراد ابن الحنفيَّة أنْ يجنّب البيت الهاشميّ من هذه الفاجعة، فلم يصطفّ مع ابن الزبير وأتباعه، فسلم – بذلك – من هذه المصيبة.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.