دلالة آية التطهير على العصمة من الخطأ والنسيان

السؤال: الرجس في آية التطهير هو الخبَث والأقذار، وأُطلق الرجس على المعاصي؛ لأنَّها من الخبائث والقذارات. والعصمة المطلقة المزعومة عند الإماميّة هي العصمة حتّى من الخطأ والنسيان؛ فنسألهم: من أين لكم هذا التفسير لمعنى الرجس؟ فهل قال أحدٌ من أهل اللغة: إنَّ من معاني إذهاب الرجس التنزُّه عن الخطأ والنسيان؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

بدايةً ينبغي أنْ نقوّم السؤال؛ إذ فيه تشويشٌ يقتضي الإيهام بأنَّ اعتقاد الإماميّة بعصمة أهل البيت (ع) عن الخطأ والنسيان إنَّما هو مبنيٌّ على آية التطهير المباركة؛ علماً أنَّ اعتقادنا بذلك هو للبراهين العقليّة والأدلّة النقليّة الخاصّة المنقحة والمقرّرة تفصيلاً في مباحث العصمة من علم الكلام [ينظر مثلاً: حقَّ اليقين ص138ـ143]. فالصحيح طرح السؤال بالشكل التالي: هل تدلُّ آية التطهير على عصمة أهل البيت (ع) عن الخطأ والنسيان؟

نقول: الكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: العصمة عن المعاصي والمكروهات وما ينافي المروءة.

ذكر أهل اللغة أنَّ كلمة «رجسٍ» تطلق على القذارات والقبائح، سواءٌ كان ذلك للعقل أو الشرع أو العرف أو الجميع، وسواءٌ كان المستقذَر ماديّاً أم معنويّاً [ينظر: معاني القرآن للزجاج ج4 ص226، المفردات ج1 ص249، المحكَم لابن سيده ج7 ص268، إصلاح المنطق ص27، المقاييس ج2 ص490، لسان العرب ص1590].

والآية الكريمة تدلُّ على أنَّ الله جلَّ وعلا قد جعل -بلطفه وعنايته الخاصّة التي لا ينالها إلا مَن كان بسابق علمه أهلاً لها -نفوس وأرواح أهل البيت (ع) نقيّةً طاهرةً تماماً عن جميع القبائح والأقذار والملوّثات والكدورات، ومن ثَمَّ لنقائها التامِّ وطهرها المطلق كانت سجيتهم التقوى والخير والفضيلة في جميع أحوالهم وأوقاتهم، وفي جميع أقوالهم وأفعالهم، فلا تنعقد نواياهم ولا يبدر منهم ولا يصدر عنهم إلا ما وافق تلك الطبيعة.

ومن هنا كانوا معصومين عن جميع المعاصي والذنوب، كبيرها وصغيرها، ما ظهر منها - كالظلم وأكل الحرام -، وما بطن - كالعُجب والرياء -، ومعصومين عن الاتّصاف بمطلق الصفات الذميمة، ومطلق الخصال الدنيّة، والآفات والكدورات والقذارات الروحيّة والنفسيّة والعقليّة، ومعصومين عن فعل المكروهات؛ لأنَّه وإنْ كان مرخّصاً فيها، فإنَّها لا تخرج عن دائرة ما استقبحه الشارع، ومعصومين عمَّا ينافي المروءة؛ أي ما يشين المرء ويجعله مستقبحاً ومستقذراً في نظر العرف بالنظر إلى المقام والحال والزمان والمكان، كترك تسريح الشعر وترتيب الملبس؛ إلَّا أنْ يكون الأمر راجحاً شرعاً فلا عبرة عندئذٍ بنظرة العرف؛ كتخفيف الشارب، والاكتحال بالأثمد، والتخضيب بالحناء على فرض كون ذلك مما يستهجن عرفاً [ينظر: شرح الإرشاد للشهيد الثاني ج2 ص372].

هذا كله جلّيٌّ من الآية المباركة؛ إذ نصّت على عصمة ذواتهم (ع) عن مطلق القذارات والقبائح.

ينظر: آية التطهير للنكرانيِّ ص117ـ124، آية التطهير للأبطحيِّ ج1 ص79ـ83، آية التطهير للميلانيِّ ص27، أهل البيت (ع) سماتهم وحقوقهم في القرآن للسبحانيِّ ص74ـ98.

المقام الثاني: العصمة عن الخطأ والنسيان.

وأمّا ما يخصُّ عصمتهم (ع) عن الخطأ والنسيان؛ فقد قدّمنا أنَّ مستندنا في ذلك هو البراهين العقليّة، والأدلّة الخاصّة النقليّة المقرّرة في محلِّه، ولم يُتعارف بين متكلِّمي الإماميّة الاستدلال بآية التطهير على ذلك؛ إذ المشهور إطلاق كلمة «الرجس» على القذارات [ينظر: العصمة للميلانيِّ ص21].

نعم، هناك وجوهٌ تذكر هنا وهناك في دلالة الآية المباركة على عصمتهم (ع) عن الخطأ والنسيان أيضاً، وهي مبنيّةٌ على ما صرّح به بعض علماء أهل السنة ومفسِّريهم ولغويِّيهم، ولعلَّ السائل لم يطّلع عليها، ونحن هاهنا سنوردها دون الخوض في تحقيقها؛ روماً للاختصار:

الوجه الأوّل: الآية الكريمة تدلُّ على التطهير من الخطأ والنسيان؛ إذ كلمة «رجسٍ» تطلق أيضاً على العيوب والنقائص، ومن جملتهما الخطأ والنسيان.

يقول المفسّر اللغويُّ ابن عطية المعروف [ت541هـ]: (الرجس اسمٌ يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت) [المحرّر الوجيز ج4 ص384]. وقال مثله المفسّر اللغويُّ ابن حيان الأندلسيِّ [ت745هـ]، والمفسّر الثعالبيِّ [ت875هـ]، في تفسيريهما [ينظر: البحر المحيط ج8 ص478، تفسير الثعالبيِّ ج4 ص346].

ويقول المفسّر الفقيه ابن جزيِّ الغرناطيِّ الأشعريِّ [ت741هـ]: (الرجس أصله النجس، والمراد به هنا النقائص والعيوب) [تفسير ابن جزي ج2 ص151].

الوجه الثاني: الآية شاملة للتطهير من الخطأ والنسيان؛ إذ كلمة الرجس تطلق أيضاً على كلِّ ما لا خير فيه، والخطأ والنسيان مما لا خير فيهما.

يقول السيوطيِّ: (قال مجاهدٌ -في قوله تعالى: {كَذلكَ يَجْعَلُ اللهُ الرّجسَ علَى الذينَ لا يُؤمِنونَ} -: الرجس: ما لا خير فيه) [الدرُّ المنثور ج3 ص356].

الوجه الثالث: الآية تشمل الطهارة من الخطأ؛ إذ كلمة رجسٍ تطلق على القبائح أيضاً كما تقدّم؛ وصدور الخطأ منهم -لاسيّما بالنظر إليهم بوصفهم أئمة الخلق -مستقبحٌ مستهجنٌ عرفاً [ينظر: أقطاب الدوائر ص12].

وبالمحصّلة: يمكن أنْ يقال: إنَّ الآية المباركة -لا أقلَّ -دالةٌ على عصمتهم (ع) عن الخطأ والنسيان في الجملة؛ وذلك بملاحظة أنَّ الخطأ والنسيان ينقسمان من حيث المتعلّق إلى قسمين:

قسمٌ يتعلّق بالأمور المستقذرة والمستقبحة؛ كأكل وشرب المحرّم خطأً أو نسياناً، أو الخطأ والنسيان في مقام التشريع.

وقسمٌ آخر يتعلّق بالأمور العاديّة التي لا يترتب عليها مستقذرٌ عقليٌّ أو شرعيٌّ أو عرفيٌّ؛ كالخطأ في الأمور الشخصيّة البحتة، أو نسيان موضع العباءِ.

والقسم الأوّل تدلُّ على انتفائه الآية بالمطابقة؛ لكونه من القذارة وإنْ كان المرء معذوراً في موارد القصور أو النسيان، لكنَّ ذلك لا يخرج ذات الأمر عن دائرة القذارة؛ كما أنَّ فاقد العقل إنْ فعل أمراً قذراً لا يخرج فعله عن كونه قذارةً واقعاً وإن كان معذوراً لجهة جنونه، والحال في المعاصي كذلك أيضاً؛ لأنَّ الأحكام وإنْ كانت اعتباريّة إلا أنَّها ترتكز على أمور وجوديّة.

وأمّا القسم الثاني؛ فالآية دالةٌ على تنزُّههم عن الكثير من موارده بالملازمة؛ بملاحظة أنَّ كثيراً من مناشئ الخطأ والنسيان هي من القذارات المنتفية عنهم بانتفاء الرجس؛ كالمعاصي، وقسوة القلب، والاعتقادات الباطلة، واسوداد صفحة النفس بالكدورات وأنواع الآفات الروحيّة والنفسيّة، وعدم اتزان الأخلاق والغرائز؛ كسيطرة الشهوة، أو سيطرة الغضب، أو سيطرة الحبِّ والكره حدَّ العمى والصمم، أو سيطرة الميل للراحة والنوم، أو سيطرة العجلة حدَّ التسرّع، أو سيطرة الحياء والتواضع حدَّ الضعف والضعة وما إلى ذلك.

وأيضاً الاتّصاف ببعض الصفات الذميمة والخصال الدنيّة؛ كالبخل والجبن وقلة الكتمان والنزق وعدم الانضباط والتأثّر بالوساوس والأوهام والشكوك والظنون والمبالغات ومباشرة القول أو العمل بلا علم، والآفات العقليّة؛ كالخبل والحمق والبله والسفه والبلادة ونحو ذلك مما لا شكَّ في كونه مستهجناً مستقبحاً.