لماذا لا يمكن أن يعمل الكون مستقلا عن الله؟
السؤال: ما المانع من القول بإنَّ الإله هو القوّة التي أوجدت الكون بقوانينه ثمَّ تركه يعمل وفق نظامه الخاصّ؟ لا حاجة لمعجزاتٍ، ولا لأحداٍث خارقةٍ تكسر منطق الطبيعة؛ فاكتمال الخلق، يعني أنَّ الخالق لم يعد مضطرّاً للتدخل من جديد؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يقوم هذا السؤال على افتراض غير مُبرهَنٍ عليه، وهو أنَّ العلاقة بين الخالق والعالم تشبه علاقة الصانع بالآلة؛ فالصانع يصنع الجهاز ثمَّ يتركه يعمل مستقلاً عنه، وهذا القياس هو موضع الخطأ أو سبب الاشتباه الذي وقع فيه السائل.
فالآلة تستقلّ عن صانعها؛ لأنَّها تمتلك وجودها الماديّ بذاتها ما دامت أجزاؤها باقيةً متماسكةً، أمَّا الكون فليس كذلك، فالكون لا يملك أصل وجوده، كما لا يملك بقاءه واستمراره من نفسه، بل قيامه في كلّ لحظة متوقفٌ على ما يمدّه بالوجود، وحتى القوانين التي يقال إنَّ الكون يعمل وفقها ليست كياناً قائماً بذاته، نحن لا نرى في الخارج شيئاً اسمه (قانون الجاذبية)، بل نرى أشياء تتصرّف بنمط متكرّر فنعبّر عن هذا الانتظام بكلمة قانون، أي أنَّ القانون وصف لطريقة حدوث الأشياء، لا قوّة تجعل الأشياء تحدث، ولا فاعلاً يمنحها الوجود أو الاستمرار.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41]، فالآية لا تتحدّث عن خلق السماوات في الماضي، بل عن «إمساك» يمنع الزوال، أيْ أنَّ بقاء الكون ليس ذاتياً، بل يحتاج إلى حفظ مستمرّ. ولو كان الكون مكتفياً بقوانينه لكان يكفي أن تُخلق القوانين ويستمرّ وحده، لكنَّ الآية تصرّح أنَّ عدم الزوال نفسه فعل إلهيّ دائم.
فإذا كان الكون محتاجاً إلى سببٍ في أصل وجوده، فهو محتاجٌ إليه في استمرار وجوده أيضاً؛ لأنّ الحاجة ليست في البداية الزمنيّة، بل في أصل الإمكان، فالشيء الذي لا يملك وجوده من ذاته لا يملك البقاء من ذاته.
لذلك القول: «خلق الكون ثمَّ تركه يعمل» يفترض أنَّ الكون بعد لحظة الخلق صار مستقلّاً بذاته، وهذا يناقض فكرة الخلق نفسها؛ لأنّ معنى الخلق أنَّ وجوده ليس من ذاته، فإذا استغنى بعد ذلك عن الخالق فقد صار واجب الوجود بنفسه، لا مخلوقاً.
ومن هنا أيضاً يتضح أنّ النظام الطبيعيّ ليس بديلاً عن الفعل الإلهيّ، بل هو شكله الدائم، فنحن نتصوّر التدخّل الإلهيّ على أنّه شيءٌ مقابلٌ للقانون، وكأنّ القانون يعمل وحده والله يتدخّل أحياناً، بينما في الفهم العقليّ الدقيق القانون نفسه هو استمرار الإرادة الإلهيّة في صورة ثابتة، فالطبيعة ليست جهازاً يعمل وحده، بل نمط الفعل الإلهيّ المعتاد. فحين يسقط الحجر نقول: الجاذبية جذبته، فالجاذبية ليست فاعلاً مستقلّاً، بل وصفٌ لطريقة الفعل، ولو توقف الفيض الوجوديّ لحظة لَمَا بقي حجر ولا جاذبيّة ولا زمان أصلاً.
عند هذه النقطة يظهر خللٌ آخر في الاعتراض حين يقال: «لا حاجة للمعجزات ولا للأحداث الخارقة؛ فاكتمال الخلق يعني أنَّ الخالق لم يعد بحاجة إلى التدخل»، فإنّ هذا الكلام مبنيٌّ على تصوٍّر ضمنيٍّ، وهو أنّ كلّ تدخّلٍ يعني نقصاً سابقاً، وكأنّ المعجزة محاولة لإصلاح خللٍ في الصنع، وقد يكون هذا صحيحاً في عالم الإنسان، فهو يتدخّل لأنّه أخطأ أو لأنّ صنعته لم تكتمل فاحتاجت إلى تعديل، أمّا الخالق فلا يتدخّل لإصلاح الكون؛ لأنّ الكون لم يخرج أصلاً عن إرادته، وإنّما يتدخّل من أجل إصلاح الإنسان وتوجيهه.
فالطبيعة تسير وفق انتظامها الذي قدّره الله لها، بينما المعجزة تخاطب الإنسان ليدرك المعنى من هذا الكون ومن هذا النظام، وبالتالي الإعجاز والتدخّل لا يستهدف معالجة اضطّراب في الكون، وإنّما يستهدف الكشف عن الغاية من هذا الكون، وأنّ وراء انتظامه قصداً يراد للإنسان أن يعيه؛ ولهذا فالمعجزة لا تنفي القانون، بل تكشف أنّ القانون ليس مغلقاً على ذاته، وأنّ الوجود ليس حركة عمياء بلا اتّجاه؛ لهذا فالمعادلة الحقيقيّة ليست: قوانين أو إله.
فالقوانين هي طريقة فعل الإله، والله هو الغاية التي يجب أن يسعى إليها الإنسان، بذلك يكون تدخله وإعجازه للفت الإنسان لتلك الغاية.
وفي المحصّلة، المشكلة ليست في إثبات أنَّ الله أوجد الكون، بل في فهم أنَّ الكون لا يملك أنْ يكون شيئاً من دون هذا الإيجاد المستمرّ، ولو انقطع هذا العطاء لحظةً لَمَا بقيت قوانين ولا مادّة ولا زمن؛ لأنّ بقاء الشيء فرع قيامه بذاته، والكون لا يقوم بذاته، فصلةُ الكونِ بالله حقيقةٌ حاضرةٌ في كلّ لحظة؛ بها يستمرّ وجوده وبها يكتسب معناه، فإذا فُرض عالم يعمل وحده صار مجرّد حركة بلا غاية، أمّا حين يكون قائماً بالله فإنّه يصبح مفهوماً ومقروءاً، لا واقعاً أعمى، فالكون لا يفقد بغياب الله انتظامه فقط، بل يفقد حقيقته وقيمته ومعناه.
اترك تعليق