هل جهز عثمان جيش العسرة؟

السؤال: من فضائل عثمان تجهيزه جيش العسرة بأموالٍ كثيرةٍ، وذلك رواه الشيعة والسنة في كتبهم! اليس الجود بالمال أمرٌ ينمّ عن تمكُّن الايمان بالقلب؟ وقد زكَّى الله المتصدّقين فكيف إذا كان من المسلمين الأوائل؟

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

زعم السائل أنَّ الشيعة روت تجهيز عثمان جيش العسرة، وهذا غير صحيحٍ، فليس في كتب الإمامية روايةٌ حول ذلك.

والملاحظ أنّ بعض مواقع السلفيّين حشد جاهداً بعض الأقوال المبتورة ليخدع القرّاء، فنسب قولاً للشيخ الطبرسيّ، وبعد المراجعة تبين أنَّ الشيخ الطبرسيّ كان ينقل عن «سيرة ابن إسحاق»، قال الشيخ الطبرسيّ: (قال محمّد بن إسحاق: استخلف عتاب بن أسيد وخلف معه... فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان جاء بأواني من فضةٍ فصبها في حجر رسول الله (ص)، فجهز ناساً من أهل الضعف، وهو الذي يقال إنَّه جهز جيش العسرة) [إعلام الورى ج1 ص243].

ومعروفٌ أنَّ «سيرة ابن إسحاق» من تأليف رجلٍ من المخالفين، فمجرّد نقل الشيخ الطبرسيّ ذلك عن مخالفٍ لا يعني إيمانه بما ذكره، ولا يعدّ حينها مصدراً شيعياً.

قال أبو القاسم الكوفيّ: (ومثل روايتهم: أنَّ عثمان جهّز جيش العسرة بمالٍ عظيمٍ من ماله) [الاستغاثة ص138]، والملاحظ أنَّه ينسب الرواية للعامَّة؛ لأنَّ كتب الإماميّة لم تروِ ذلك، وإنَّما اختصَّ الجمهور برواية ذلك، وعند تحقيق المسألة لا تثبت وفق موازين البحث الحديثيّ.

فقد روى ذلك الترمذيّ، وابن حنبل، والخلَّال الحنبلي،ّ وابن أبي عاصم بأسانيد وقع فيها كثير بن أبي كثير، وسأكتفي برواية الترمذيّ، حيث قال:

(حدَّثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحسن بن واقع الرمليّ، أخبرنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثيرٍ مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: «جاء عثمان إلى النبيّ (ص) بألف دينارٍ». قال الحسن بن واقع: وفي موضعٍ آخر من كتابي: «في كمّه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره». قال عبد الرحمن: «فرأيتُ النبيّ (ص) يقلّبها في حجره ويقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم – مرّتين –». هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه) [سنن الترمذيّ ج5 ص 289، مسند أحمد ج5 ص63، السنة لابن أبي عاصم ص573، السنة للخلال ج2 ص21].

في هذا السند (كثير بن أبي كثير)، وقد ضعّفه الأزديّ والعقيليّ، ولم يرد بحقه توثيقٌ معتبرٌ. قال الذهبيّ: (كثير بن عبد الرحمن العامريّ: وهو كثير بن أبي كثير. عن عطاء. وهو كثير المؤذن. ضعيفٌ، قاله الأزديّ والعقيليّ) [ميزان الاعتدال ج3 ص409].

ومما قاله ابن حجرٍ تعقيباً على الذهبيّ: (كثير المؤذّن: ضعيفٌ، قاله العقيليّ، انتهى. ولفظه: لا يتابع على حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأزديّ: منكر الحديث) [لسان الميزان ج4 ص 484، وانظر كلام العقيليّ في: ضعفاء العقيليّ ج4 ص3].

وقال عنه في موضعٍ آخر: (قال العجليّ: تابعيٌّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في الثقات. قلتُ: ذكره ابن الجوزيّ في الصحابة. وزعم عبد الحق - تبعاً لابن حزم - أنَّه مجهولٌ، فتعقَّب ذلك عليه ابن القطان بتوثيق العجليّ. وذكره العقيليّ في الضعفاء، وما قال فيه شيئاً) [تهذيب التهذيب ج8 ص382].

وقد ورد ذكر كثير بن أبي كثير في أكثر من مصدرٍ قديمٍ ولم يوثقوه. راجع مثلاً: [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج7 ص154، وتاريخ ابن معين للدوري ج1 ص260].

نخلص إلى أنَّ الرجل ضعيفٌ عند العقيليّ والأزديّ، مجهولٌ لدى عبد الحق وابن حزم، وهذا جرحٌ مقدمٌ على توثيق العجليّ وابن حبَّان، مع العلم أنَّ توثيقهما غير معتبرٍ؛ نظراً لتساهلهما.

قال ابن حجرٍ معلقاً على كلامٍ لابن حبَّان: (وهذا الذي ذهب إليه ابن حبَّان - من أنَّ الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أنْ يتبيَّن جرحه - مذهبٌ عجيبٌ. والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه) [لسان الميزان، ج1 ص 14]. وقال الشيخ الألبانيّ: (إنَّ ابن حبان متساهلٌ في التوثيق، فإنه كثيراً ما يوثّق المجهولين، حتى الذين يصرّح هو نفسه أنَّه لا يدري مَن هو، ولا من أبوه) [سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1 ص80].

ولا يختلف تساهل العجليّ في التوثيق عن ابن حبَّان، وفي ذلك يقول المعلميّ السلفيّ: (توثيق العِجْلي - وجدته بالاستقراء - كتوثيق ابن حبَّان تماماً، أو أوسع) [الأنوار الكاشفة ص 68].

أما عن تحسين الترمذيّ لهذه الرواية فغير معتبرٍ؛ لكونه من المتساهلين في التصحيح. قال الألبانيّ: (تساهُل الترمذيّ، إنكارُه مكابرةٌ؛ لشهرته عند العلماء. وقد تتبعتُ أحاديث سننه حديثاً حديثاً، فكان الضعيفُ منها نحو ألف حديث، أي: قريباً من خُمس مجموعها، ليس منها ما قَوّيتُه لمتابعٍ أو شاهدٍ) [سلسلة الأحاديث الضعيفة ج3 ص30].

ولا يغترّ القارئ بسائر روايات تجهيز عثمان جيش العسرة، فكلُّها مضطربةٌ ضعيفةٌ، خاصَّةً أنَّ المتأخرين ممن أودعوا تلك الفضيلة المزعومة كتبهم أخذوها عن المتقدمين، وذلك لا يزيدها قوةً.

قال الشيخ الأمينيّ (رحمه الله) مبيّناً وهن ما ذكروه:

(نعم، ذكروا له (ص) دعواتٍ عديدةً لعثمان عند تجهيزه جيش العسرة، ولعلّ المتهالك في حبّ عثمان ينحته موجباً لتلكم الدعوات، والباحث جدّ خبيرٌ بأنَّه لا يعدو شيئاً منها وهنٌ في الإسناد؛ لضعفٍ في رجاله أو إرسالٍ فيه، على اضطراب الروايات في كيفية التجهيز وكمية ما أنفقته يده فيه، اضطراباً لا يعدوه الحكم بالبطلان في جميعها.

قال ابن هشام في السيرة 4: 172: أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ مثلها. حدَّثني مَن أثق به أنَّ عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينارٍ. إلى آخر ما يأتي من حديثه.

وأخذ الطبريّ الجملة الأولى من قول ابن هشام وترك حديثه.

وعند الكلبيّ مرسلٌ، كما في أسباب النزول للواحديّ 61: جهز بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها.

وعند قتادة مرسلٌ: حمل على ألف بعيرٍ وسبعين فرساً.

وعند البلاذريّ بإسنادٍ ضعيفٍ مرسلٍ: جهزهم بسبعين ألفاً.

وعند الطبرانيّ بإسنادٍ ضعيفٍ: مائتا بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقيةٍ من الذهب.

وعند أبي يعلى بسندٍ ضعيفٍ: جاء بسبعمائة أوقية ذهبٍ.

وعند أبي ابن عدي بسندٍ واهٍ ضعيفٍ جداً: جاء بعشرة آلاف دينارٍ.

وعند أبي نعيم بإسنادين باطلين: جاء بألف دينارٍ.

وعند أحمد وأبي نعيم بإسنادٍ معلولٍ: ثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها.

وعند ابن عساكر مرسلٌ: جهز ثلث ذلك الجيش مؤنتهم.

وعند ابن الأثير ما ذكره الطبريّ وزاد عليه: قيل كانت ثلاثمائة بعيرٍ وألف دينارٍ.

وعند عماد الدين العامريّ دعوى مجردةٌ: أنفق ألف دينارٍ، وحمل على تسعمائة وخمسين بعيراً وخمسين فرساً.

وعند الحلبيّ صاحب السيرة قولاً بلا دليلٍ: جهز عشرة آلاف دينارٍ غير الإبل والخيل، وهي تسعمائة بعيرٍ ومائة فرسٍ والزاد وما يتعلق بذلك حتى ما تربط به الأسقية.

وعند بعضٍ كما في السيرة الحلبية: أعطى ثلاث مائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرساً.

وفي روايةٍ عند الحلبيّ: جاء بعشرة آلاف دينارٍ إلى رسول الله فصبت بين يديه. فقال: لعلَّ هذه العشرة آلاف غير الذي جهز بها العشرة آلاف إنسانٍ.

فترى كلَّ واحدٍ يكل ويزن ما أنفقه الرجل في جيش العسرة بكيلة مروءته، وميزان كرامته، وما تستدعيه سعة صدره، ورحب ذات يده.

على أنَّ هناك أناساً آخرين شاركوا من جهز الجيش وأربوا، فلا أدري ما الموجب لاختصاص عثمان بتلكم الأدعية دونهم؟

فمن أولئك المجهزين: العبَّاس بن عبد المطلب، فإنَّه حمل مالاً يقال إنَّه تسعون ألفاً... على أنّ طبع الحال يستدعي أنْ يكون هناك منفقون آخرون؛ لأنَّ عدد الجيش كان ثلاثين ألفاً وعشرة آلاف فرسٍ واثنا عشر ألف بعيرٍ عند كثيرٍ من المؤرخين، وعند أبي زرعة: كانوا سبعين ألفاً، وفي روايةٍ: أربعين ألفاً. وما ذكروه من النفقات لعثمان وغيره لا تفي بتجهيز هذا الجيش اللجب، فلماذا حُرم أولئك كلُّهم من الدعاء وحظي به عثمان فحسب؟

أنا أنبئك لماذا، وجد عثمان بعدما خُذِل وقُتِل أنصاراً ينحتون له الفضائل، وتصرّمت أيام أولئك من غير نصيرٍ مفتعلٍ) [الغدير ج9 ص330ـ 338].

وبما أنَّ حديث تجهيز عثمان لجيش العسرة مضطربٌ، اختلفت الرواية فيه، فرواه بعضهم على وجهٍ، وبعضهم على وجهٍ آخر مخالفٍ له، كما مرّ فيما ذكره الشيخ الأمينيّ، فيكون ضعيفاً.

قال ابن الصلاح: (والاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنَّه لم يضبط) [مقدمة ابن الصلاح ص 74].

لكن القوم مع معرفتهم بضعف الحديث المضطرب، لم يشيروا لذلك؛ لئلّا يخدشوا تلك الفضيلة المزعومة.