لماذا طالبت الزهراء (ع) بفدك؟
السؤال: المعروف عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو الزهد في الدنيا وزخارفها، فلماذا تطالب بأرض فدك حينئذٍ؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس أنْ يعلم السائل بأنَّ فدك كانت ملكاً للسيدة الزهراء (عليها السلام)، وكانت تحت رعايتها لعدَّة سنين، ولكن بعد أنْ استولى القوم على الحكم صادروها منها بالقوَّة والقهر، كما هو بينٌ لأهل العلم والمعرفة.
روى الشيخ الطبرسيّ (طاب ثراه) عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما بويع أبو بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله منها، فجاءت فاطمة الزهراء (عليها السلام) إلى أبي بكر ثمَّ قالت: لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأخرجتَ وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى؟ فقال: هاتي على ذلك بشهود! فجاءت بأم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتَّى احتجَّ عليك بما قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، أنشدك بالله، ألستَ تعلم أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: أم أيمن امرأةٌ من أهل الجنَّة؟ فقال: بلى. قالت: فأشهد أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أوحى إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26]. فجعل فدك لها طعمةً بأمر الله، فجاء عليٌّ (عليه السلام) فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إنَّ فاطمة ادَّعت في فدك، وشهدتَ لها أم أيمن وعلي (عليه السلام)، فكتبته لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه، ومزَّقه!! فخرجتْ فاطمة (عليها السلام) تبكي، فلما كان بعد ذلك جاء عليٌّ (عليه السلام) إلى أبي بكر ـ وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار ـ فقال: يا أبا بكر، لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ وقد ملكته في حياة رسول الله.. الحديث» [الاحتجاج ج1 ص119].
إذا بان هذا فنقول:
لا منافاة بين مطالبة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) بأرض فدك، وبين كونها زاهدةً في الدنيا ومُعرِضةً عن زخارفها، فليس الزهد أنْ لا يملك الإنسان شيئاً في الدنيا، كما هو واضحٌ، فإنَّ (الإنسان وإنْ كان زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، فإنَّه مع ذلك يحتاج إلى المال ليصلح به شأنه، ويحفظ به ماء وجهه، ويصل به رحمه، ويصرفه في سبيل الله كما تقتضيه الحكمة. أما ترى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهو أزهد الزهَّاد كيف انتفع بأموال خديجة في سبيل تقوية الإسلام) [يُنظر: فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد للقزوينيّ ص291].
ومع ذلك كلِّه، هناك عدَّة أسبابٍ جعلت السيدة الزهراء (عليها السلام) تطالب بأرض فدك، نذكر قسماً منها على شكل نقاطٍ:
1ـ إنَّ المطالبة بأرض فدك تعدُّ نوعاً من المطالبة بالحقوق المغتصبة من قبل القوم، وعلى رأسها الخلافة الشرعية، وهو ما فهمه هارون العبَّاسيّ، وكذلك ابن الفارقي مدرِّس المدرسة الغربيَّة في بغداد.
روى الزمخشريّ ما نصُّه: «كان الرشيد يقول لموسى الكاظم بن جعفر: يا أبا الحسن، خذ فدك حتَّى أردَّها عليك، فيأبى حتَّى ألح عليه، فقال: لا آخذها إلَّا بحدودها. قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنْ حددتها لم تردّها. قال: بحق جدك ألَّا فعلت. قال: أمَّا الحدُّ الأوَّل فعدن، فتغيَّر وجه الرشيد وقال: هيه، قال: والحدُّ الثاني سمرقند، فأربد وجهه، قال: والحدُّ الثالث أفريقية، فاسودَّ وجهه وقال: هيه، قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية، قال الرشيد: فلم يبقَ لنا شيءٌ، فتحوَّل في مجلسي» [ربيع الأبرار ج1 ص259].
وقال ابن أبي الحديد: (قلتُ له ـ أي ابن الفارقي ـ: أكانت فاطمة صادقةً؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك، وهي عنده صادقةٌ؟ فتبسَّم ثمَّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلَّة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرَّد دعواها لجاءت إليه غداً وادَّعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيءٍ، لأنَّه يكون قد أسجل على نفسه أنَّها صادقةٌ فيما تدَّعي كائناً ما كان، من غير حاجةٍ إلى بيِّنةٍ ولا شهودٍ. وهذا كلامٌ صحيحٌ، وإنْ كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل) [شرح نهج البلاغة ج16 ص٢٨٤].
2ـ كما أنَّ المطالبة بأرض فدك تعدُّ نوعاً من أنواع التمويل الماديّ الذي يُعطِي لأهل البيت المكانة الاقتصادية التي سعى القوم إلى سلبها عن أهل البيت بغية تضعيفهم مادياً وتفريق الناس عنهم؛ ولذا طالبت الزهراء (عليها السلام) بها.
روي عن المفضَّل أنَّه قال: قال مولاي جعفر الصادق (عليه السلام): «لما ولي أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إنَّ الناس عبيد هذه الدنيا لا يرون غيرها، فامنع عن عليٍّ وأهل بيته الخمس والفيء وفدك، فإنَّ شيعته إذا علموا ذلك تركوا علياً، وأقبلوا إليك رغبةً في الدنيا، وإيثاراً ومحاباةً عليها. ففعل أبو بكر ذلك فلما قام أبو بكر امر مناديه: من كان له عند رسول الله دينٌ أو عدةٌ فليأتني حتَّى أقضيه .... قال: قال عليٌّ (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): صيري إلى أبي بكر وذكّريه فدك مع الخمس والفيء...الحديث» [الكشكول فيما جرى على آل الرسول ص203].
فقد ورد أنَّ فدك لم تكن (قليلة الإنتاج، ضئيلة الغلَّات، بل كان لها واردٌ كثيرٌ يعبأ به، بل ذكر ابن أبي الحديد أنَّ نخيلها كانت تمثل نخيل الكوفة في زمان ابن أبي الحديد، وذكر الشيخ المجلسيّ عن (كشف المحجَّة) أنَّ وارد فدك كان أربعة وعشرين ألف دينارٍ في كلِّ سنةٍ، وفي روايةٍ أُخرى: سبعين ألف دينارٍ. ولعلَّ هذا الاختلاف في واردها بسبب اختلاف السنين) [يُنظر: فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد ص290].
3ـ كما أنَّ المطالبة بأرض فدك لم تكن (حقاً مخصوصاً لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة والمساهلة والمحاباة وعدم المبالاة في ذلك؛ ليصير سبباً لتضييع حقوق جماعةٍ من الأئمَّة الأعلام والأشراف الكرام. نعم، لو كان مختصاً بها كان لها تركه والزهد فيه وعدم التأثر من فوته. الثاني: أنَّ تلك الأمور لم تكن لمحبة فدك وحب الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم، وجورهم، وكفرهم، ونفاقهم، وهذا كان من أهمّ أمور الدين وأعظم الحقوق على المسلمين. ويؤيده أنَّها (صلوات الله عليها) صرَّحت في آخر الكلام حيث قالت: قلتُ ما قلتُ على معرفةٍ مني بالخذلة. وكفى بهذه الخطبة بيِّنةً على كفرهم ونفاقهم) [بحار الأنوار ج29 ص٣٢٥].
إلى غيرها من الأسباب المذكورة في كتب الأصحاب.
والنتيجة التي نصل إليها من مجموع ما تقدَّم، أنَّ المطالبة بالحق لا تتعارض مع الزهد في الدنيا، بل هي من لوازم القيام بالمسؤوليَّة الشرعيَّة. على أنَّ مطالبة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) لم تكن بدافعٍ دنيويّ، بل قامت على أسبابٍ موضوعيةٍ واضحةٍ، كان في مقدِّمتها كشف ظلم الحكَّام وفضح اغتصابهم لحقِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخلافة والقيادة، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق