معنى الميزان وعلاقته بأمير المؤمنين (ع)

السؤال: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، هل الميزان مادَّةٌ حسيَّةٌ أم أمرٌ معنويٌّ يُشير إلى العدل الإلهيّ؟ وأيضاً عندما نزور الإمام عليّّاً (عليه السلام) نخاطبه بالقول: «السلام على ميزان الأعمال، ومقلِّب الأحوال، وسيف ذي الجلال، وساقي السلسبيل الزلال»، فهل من علاقةٍ بين الإمام عليّ (عليه السلام) والميزان المذكور في الآية الكريمة؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في هذا السؤال أنَّه يرجع إلى شقَّين اثنين، الأوَّل منهما في معنى (الميزان) الوارد في الآية الكريمة، والآخر في نوع العلاقة بين الآية الكريمة وأمير المؤمنين (عليه السلام) الموصوف بأنَّه (ميزان الأعمال) أيضاً، وللجواب عن هذا نتكلَّم في أمرين:

الأمر الأوَّل: معنى الميزان في الآية الكريمة:

اختلفت كلمات المفسِّرين في تفسير معنى (الميزان) على عدَّة أقوال، منها: أنَّه آلة الوزن المعروفة، ومنها: أنَّه العدل، ومنها: أنَّه الشرع المقدَّس، ومنها: أنَّه القرآن الكريم، وغيرها كما سوف يتَّضح، ولكنَّ الظاهر أنه معنىً واسعٌ يشمل جميع هذه المفاهيم، كما نبَّه عليه صاحب الأمثل، كما سوف نذكر إنْ شاء الله تعالى.

1ـ قال الشيخ الطوسيّ: (قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾: فالميزان آلة التعديل في النقصان والرجحان، والوزن يعدل في ذلك، ولولا الميزان لتعذَّر الوصول إلى كثيرٍ من الحقوق؛ فلذلك نبَّه على النعمة فيه والهداية إليه... وقيل: المراد بالميزان العدل؛ لأنَّ المعادلة موازنة الأسباب، والطغيان الإفراط في مجاوزة الحد في العدل) [التبيان ج9 ص465].

2ـ وقال الشيخ الطبرسيّ: (﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يعني: آلة الوزن للتوصُّل إلى الإنصاف والانتصاف، عن الحسن وقتادة. قال قتادة: هو الميزان المعهود ذو اللسانين. وقيل: المراد بالميزان العدل، والمعنى: إنَّه أمرنا بالعدل، عن الزجَّاج. ويدلُّ عليه قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي: لا تتجاوزوا فيه العدل والحق إلى البخس والباطل... وقيل: إنَّ المراد بالميزان القرآن الذي هو أصل الدين، فكأنه تعالى بيّن أدلَّة العقل وأدلَّة السمع) [مجمع البيان ج9 ص331].

3ـ وقال السيد نعمة الله الجزائريّ: (﴿وَالْمِيزانَ﴾: الشرع الذي يوازن به الحقوق ويسوَّى بين الناس، أو العدل بأنْ أنزل الأمر به، أو آلة الوزن بأنْ أوحى بإعدادها) [عقود المرجان ج4 ص397].

4ـ وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ: (والميزان لغةً: (المقياس) وهو وسيلةٌ لوزن الأجسام المادية المختلفة، إلَّا أنَّ المقصود في هذه الآية ـ والذي ذكر بعد خلق السماء ـ أنَّ لها مفهوماً واسعاً يشمل كلَّ وسيلةٍ للقياس بما في ذلك القوانين التشريعيّة والتكوينيّة، وليس وسيلةً منحصرةً بقياس الأوزان المادية فقط. ومن هنا، فلا يُمكن أنْ تكون الأنظمة الدقيقة لهذا العالم، والتي تحكم ملايين الأجرام السماوية بدون ميزانٍ وقوانين محسوبة. وعندما نرى في بعض العبارات أنَّ المقصود بالميزان هو (القرآن الكريم)، أو (العدل)، أو (الشريعة)، أو (المقياس). ففي الحقيقة إنَّ كلَّ واحدةٍ من هذه المعاني مصداقٌ لهذا المفهوم الواسع الشامل) [الأمثل ج17 ص373].

ومن خلال هذا يتَّضح الجواب عن الشقِّ الأوَّل من السؤال، وهو أنَّ معنى (الميزان) شاملٌ لكلِّ المعاني المذكورة في كلمات المفسِّرين، والله العالم.

الأمر الثاني: علاقة أمير المؤمنين (ع) بالميزان:

ورد في بعض الروايات المفسِّرة لكلمة (الميزان) في الآية الشريفة أنَّ المراد بها هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعلَّ الوجه في ذلك أنَّه بالعرض على ولايته، فمن قبلها وأقرَّ بها فهو من الناجين، بخلاف من أنكرها، فصار (عليه السلام) هو الميزان والمقياس الفاصل بين أهل النجاة وأهل الخسران. أو أنَّ الأعمال الموافقة لأعماله تقبل بخلاف المخالفة لأعماله، ولعلَّه من أجل ذلك وُصف بأنَّه ميزان الأعمال، أي: الميزان لمعرفة الأعمال المقبولة من غيرها.

من تلك الأخبار:

1ـ ما رواه عليّ بن إبراهيم القميّ بسنده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وفيه قوله: «﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، قال: السماء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، رفعه الله إليه، والميزان أمير المؤمنين (عليه السلام) نصبه لخلقه، قلت: ألا تطغوا في الميزان؟ قال: لا تعصوا الإمام، قلت: وأقيموا الوزن بالقسط؟ قال: أقيموا الإمام بالعدل. قلتُ: ولا تخسروا الميزان؟ قال: لا تبخسوا الإمام حقَّه ولا تظلموه» [تفسير القمِّيّ ج2 ص343].

2ـ وما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَنَضَعُ الْموَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:47]، قال: هم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)» [معاني الأخبار ص31].

3ـ وما ذكره عليّ بن إبراهيم القمِّيّ: «ثمَّ قال: ﴿الله الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: 17]، قال: الميزان أمير المؤمنين (عليه السلام)، والدليل على ذلك: قوله في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، قال: يعني الإمام» [تفسير القمِّيّ ج2 ص273]. ومن المحتمل أنّه جزءٌ من الحديث عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام).

قال الفيض الكاشانيّ: (إنَّ ميزان كلِّ شيءٍ هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشيء، فميزان الناس ليوم القيامة ما يوزن به قدر كلِّ إنسانٍ وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله، لتجزى كلُّ نفسٍ بما كسبت، وليس ذلك إلَّا الأنبياء والأوصياء، إذْ بهم وباتباع شرائعهم واقتفاء آثارهم ... وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها، يُعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم، فميزان كلِّ أمةٍ هو نبيّ تلك الأمة ووصي نبيها، والشريعة التي أتى بها، فمن ثقلت حسناته وكثرت، فأولئك هم المفلحون، ومن خفَّت وقلَّت حسناته، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، أي: ضيَّعوا فطرتهم بسبب ظلمهم عليها، بتكذيبهم الأنبياء والأوصياء) [التفسير الأصفى ج1 ص361].

وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ: (نقرأ في إحدى الزيارات المطلقة لأمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «السلام على ميزان الأعمال». فهذه الشخصيات العظيمة هي موازين الأعمال، فالأعمال التي تشابه أعمال هذه الشخصيات تُعتبر ثقيلةً في الميزان، والأعمال التي لا تشابه أعمالهم تعتبر خفيفةً أو لا وزن لها أصلاً، فأولياء الله هم موازين الأعمال في هذه الدنيا ولكن تبرز وتتجسد هذه المسألة في العالم الآخر) [نفحات القرآن ج6 ص107].

ومن خلال هذا يتَّضح وجه العلاقة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين الميزان المذكور في الآية الكريمة.

والنتيجة النهائيّة من جميع ذلك، أنَّ المراد من (الميزان) تفسيرياً هو المعنى العامّ الشامل لجميع المعاني المذكورة، وأنَّ المراد منه روائياً هو أمير المؤمنين والأئمَّة من ذريته (عليهم السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.