دور السيدة الزهراء (ع) في تثبيت العقيدة
السؤال: ما هو دور السيِّدة الزهراء (عليها السلام) في تثبيت العقيدة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إشكال ولا ريب في أنَّ الصدِّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) داخلةٌ في عداد المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، وقد قامت الأدلَّة القطعيَّة من الكتاب والسنَّة على ذلك، وبذلك يكون قولها وفعلها وتقريرها حجَّةً، يجري فيه ما يجري في سائر أقوال وأفعال وتقريرات المعصومين، من حيث الكاشفيَّة عن الحكم الواقعيّ وكونه ممَّا يُحتج به في مقام الاستدلال.
ثمَّ إنَّ المتأمِّل فيما وصل إلينا من تراث الصدِّيقة الطاهرة (عليها السلام) ـ مع قلَّته ـ يقف على أنَّ لها دوراً أساسيّاً ومحوريَّاً في تثبيت العقيدة الحقَّة وصيانة معالم الدين، فقد تعرَّضت في كلماتها الشريفة وخطبها الجليلة لبيان التوحيد وتنزيه الباري تعالى عن سمات النقص والحدوث، وشرحت صفات الكمال الإلهيّ على نحوٍ ينسجم مع أصول مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
كما أكَّدت (عليها السلام) على أصل النبوَّة، وبيَّنت حقيقة البعثة ووظيفة الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في هداية الأمَّة وإقامة الحجَّة، ولم تغفل عن أصل الإمامة، حيث كشفت عن منزلتها الشرعية وكونها امتداداً للنبوَّة وحفظاً للشريعة، وبيَّنت ما يترتَّب على الإعراض عنها من مفاسد عقديّة وتشريعيّة، فضلاً عن تعرُّضها لسائر المعارف الإلهية الأُخرى. وسيقع التعرُّض ـ إنْ شاء الله تعالى ـ لذكر جملةٍ من ذلك ضمن نقاطٍ، ومن الله تعالى العون والتوفيق.
1ـ التوحيد وما يتعلَّق به:
من الواضح أنَّ أصل التوحيد يُعدُّ الركيزة الأساس في منظومة العقائد الإسلامية، وما يتفرَّع عنه من مباحث كلامية دقيقةٍ، كالبحث في الصفات الإلهية وتنزيه الباري تعالى عن الرؤية، وغير ذلك. وقد كان للصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) دورٌ مهمٌّ في بيان التوحيد وما يتعلَّق به، وإزالة ما يعلق فيه من أفكارٍ منحرفةٍ عن جادِّة الصواب، نذكر قسماً منها رغبةً في الاختصار.
روى ابن طيفور بالإسناد عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أنها قالت في خطبتها المعروفة بالفدكيَّة: «الحمد لله على ما أنعم والشكر على ما ألهم والثناء بما قدَّم من عموم نعمٍ ابتدأها وسبوغ آلاءٍ أسداها وإحسان مننٍ والاها ... وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله ... الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الأوهام الإحاطة به. ابتدع الأشياء لا من شيءٍ قبله، واحتذاها بلا مثالٍ، لغير فائدةٍ زادته إلَّا إظهاراً لقدرته وتعبُّداً لبريته وإعزازاً لدعوته، ثمَّ جعل الثواب على طاعته، والعقاب على معصيته ذيادةً لعباده عن نقمته ... الخطبة» [بلاغات النساء ص15].
وروى جعفر بن محمَّد بن قولويه القمِّيّ عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أنها قالت في تسبيح الله تعالى ما نصُّه: «سُبحان ذي الجلال الباذخ العظيم، سُبحان ذي العز الشامخ المنيف، سُبحان ذي الملك الفاخر القديم، سُبحان ذي البهجة والجمال، سُبحان من تردى بالنور والوقار، سُبحان من يرى أثر النمل في الصفا ووقع الطير في الهواء» [كامل الزيارات ص384].
وروى السيد ابن طاووس عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أنها قالت في الدعاء عقيب صلاة العصر ما نصُّه: «سُبحان من يعلم جوارح القلوب، سُبحان من يحصى عدد الذنوب، سُبحان من لا يخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء ... الحمد لله الذي احتجب عن كلِّ مخلوقٍ يراه بحقيقة الربوبية، وقدرة الوحدانية، فلم تدركه الأبصار، ولم تحط به الأخبار، ولم يقسه مقدارٌ، ولم يتوهمه اعتبارٌ، لأنه الملك الجبَّار. اللهم قد ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتطَّلع على أمري، وتعلم ما في نفسي، وليس يخفى عليك شيءٌ من أمري ... الدعاء» [فلاح السائل ص202].
وروى عنها ـ أيضاً ـ في الدعاء عقيب الصلوات ما نصُّه: «لا إله إلَّا الله الأوَّل والآخر، ولا إله إلَّا الله الظاهر والباطن، ولا إله إلَّا الله المحيي والمميت، والله أكبر ذو الطول، والله أكبر ذو البقاء الدائم ... والحمد لله ذي الملك والملكوت، والعظمة والجبروت، والكبرياء والجلال والبهاء والمهابة والجمال، والعزَّة والقدرة، والحول والقوَّة، والمنة والغلبة، والفضل والطول، والعدل والحق، والخلق والعلا، والرفعة والمجد، والفضيلة والحكمة، والغناء والسعة، والبسط والقبض، والحلم والعلم، والحجّة البالغة والنعمة السابغة، والثناء الحسن الجميل، والآلاء الكريمة. ملك الدنيا والآخرة والجنَّة والنار وما فيهن تبارك الله تعالى ... يامن لم يزل ولا يزال ولا يزول، كما لم يزل قائماً على كلِّ نفسٍ بما كسبت، يامن جعل أيام الدنيا تزول وشهورها تحول وسنيها تدور وأنت الدائم لا تبليك الأزمان ولا تغيِّرك الدهور، يامن كلُّ يومٍ عنده جديدٌ، وكلُّ رزقٍ عنده عتيدٌ، للضعيف والقويّ والشديد، قسَّمت الأرزاق بين الخلائق، فسوَّيت بين الذرّة والعصفور ... الدعاء» [فلاح السائل ص238].
2ـ النبوَّة وما يتعلَّق بها:
وهي من الأصول العقديّة المهمَّة التي تأتي في الرتبة الثانية بعد أصل التوحيد، إذْ يتوقَّف عليها كمال الدين وانتظام شريعته، ومن هنا جاء اقتران الشهادة بها في التشهُّد مع الشهادة لله تعالى بالوحدانية والربوبية. وقد كان للصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) دورٌ واضحٌ في بيان هذا الأصل وتثبيته أيضاً من خلال كلماتها، نذكر بعضاً منها.
روى ابن طيفور بالإسناد عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أنَّها قالت في خطبتها المعروفة بالفدكيَّة: «أشهد أنَّ أبي محمَّداً عبده ورسوله اختاره قبل أنْ يجتبله، واصطفاه قبل أنْ ابتعثه، وسمَّاه قبل أنْ استنجبه، إذِ الخلائق بالغيوب مكنونةٌ، وبستر الأهاويل مصونةٌ، وبنهاية العدم مقرونةٌ، عِلماً من الله (عزَّ وجلَّ) بمآيل الأمور، وإحاطةً بحوادث الدهور، ومعرفةً بمواضع المقدور، ابتعثه الله تعالى (عزَّ وجلَّ) إتماماً لأمره وعزيمةً على إمضاء حكمه، فرأى (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الأمم فرقاً في أديانها، عكفاً على نيرانها، عابدةً لأوثانها، منكرةً لله مع عرفانها، فأنار الله (عزَّ وجلَّ) بُمحمَّدٍ ظلمها، وفرَّج عن القلوب بهمّها، وجلَّى عن الأبصار غممها، ثمَّ قبض الله نبيه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قبض رأفةٍ واختيار رغبةٍ ... الخطبة» [بلاغات النساء ص15].
وروى السيد ابن طاووس عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أنها قالت في الدعاء عقيب صلاة الظهر ما نصُّه: «اللهم صلِّ على محمَّدٍ كما هديتنا به، وصلِّ على محمَّدٍ كما رحمتنا به، وصلِّ على محمَّدٍ كما عززتنا به، وصلِّ على محمَّدٍ كما فضَّلتنا به، وصلِّ على محمَّدٍ كما شرَّفتنا به، وصلِّ على محمَّدٍ كما بصَّرتنا به، وصلِّ على محمَّدٍ كما أنقذتنا به من شفا حفرةٍ من النار ... الدعاء» [فلاح السائل ص173].
وروى العلَّامة المجلسيّ عن إمامنا موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) عن عليّ (عليه السلام) «أنَّ فاطمة لما توفي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كانت تقول: وا أبتاه مِنْ ربِّه ما أدناه، وا أبتاه جنان الخلد مثواه، وا أبتاه يكرمه ربُّه إذْ أتاه، يا أبتاه الربُّ والرسل تسلِّم عليه حين تلقاه» [بحار الأنوار ج٤٣ ص213].
3ـ الإمامة وما يتعلَّق بها:
وهي من أجلِّ الأصول الاعتقاديّة ـ بعد أصل التوحيد والنبوَّة ـ التي يقوم عليها صرح الإيمان الموجب للفوز بالجنان، كما أنَّ إنكارها والتنصُّل عنها يستتبع الخسران المؤدِّي إلى النيران، وقد كان للصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) دورٌ عظيمٌ في إيضاح معالمها والذود عنها، نذكر قسماً منها:
روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) قالت: «إنَّ النبيّ (عليه الصلاة والسلام) قال لعليٍّ (عليه السلام): من كنتُ وليه فعليٌّ وليه، ومن كنت إمامه فعليٌّ إمامه» [عيون أخبار الرضا ج2 ص69].
وروى أيضاً بسنده عن الحسين بن عليّ، عن أمّه فاطمة بنت محمَّدٍ (صلوات الله عليهم)، قالت: «خرج علينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عشيّة عرفة فقال: إنَّ الله (تبارك وتعالى) باهى بكم وغفر لكم عامّةً، ولعليٍّ خاصّةً، وإنِّي رسول الله إليكم غير محابٍ لقرابتي، هذا جبرئيل يخبرني أنَّ السعيد كلَّ السعيد حقَّ السعيد من أحب علياً في حياته وبعد موته، وأنَّ الشقي كلَّ الشقي حقَّ الشقي من أبغض علياً في حياته وبعد وفاته» [الأمالي ص248].
وروى الشيخ الخزاز القمِّيّ بسنده عن محمود بن لبيدٍ عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، وفيه: «قلتُ: يا سيدتي، إني سائلك عن مسألةٍ تلجلج في صدري. قالت: سل. قلتُ: هل نصَّ رسول الله قبل وفاته على عليٍّ بالإمامة؟ قالت: واعجباه، أنسيتم يوم غدير خمّ. قلت: قد كان ذلك، ولكن أخبريني بما أسرَّ إليك. قالت: أشهد الله تعالى لقد سمعته يقول: عليٌّ خير من أخلِّفه فيكم، وهو الإمام والخليفة بعدي، وسبطي وتسعة من صلب الحسين أئمَّةٌ أبرارٌ، لئن اتبعتموهم وجدتموهم هادين مهديين، ولئن خالفتموهم ليكون الاختلاف فيكم إلى يوم القيامة. قلت: يا سيدتي، فما باله قعد عن حقِّه؟ قالت: يا أبا عمر، لقد قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): مثل الإمام مثل الكعبة إذْ تؤتى ولا يأتي ـ أو قالت: مثل عليّ ـ ثمَّ قالت: أما والله لو تركوا الحق على أهله واتبعوا عترة نبيه لما اختلف في الله تعالى اثنان، ولورثها سلفٌ عن سلفٍ وخلفٌ بعد خلفٍ حتَّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين، ولكن قدَّموا من أخَّره، وأخَّروا من قدَّمه الله .... واختاروا بشهوتهم وعملوا بآرائهم، تباً لهم، أو لم يسمعوا الله يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ [القصص: 68]، بل سمعوا ولكنهم كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم ونسوا آجالهم، فتعساً لهم وأضل أعمالهم» [كفاية الأثر ص197].
وأمَّا حديث اللَّوح المروي عنها في ذكر أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) والنص عليهم، فهو متواتر النقل عنها (عليها السلام)، كما هو واضحٌ. فانظر: [الكافي ج1 ص527، الاختصاص ص210، الغيبة للطوسي ص143، إعلام الورى ج2 ص174]، وغيرها من المصادر الكثيرة.
4ـ باقي المعارف:
وأمَّا ما ورد عنها (عليها السلام) في بقية المعارف الاعتقادية فليس بالقليل أيضاً، نقتصر على ذكر بعضٍ منه، طلباً للاختصار، من ذلك:
ما روي في تفسير العسكريّ (عليه السلام)، وفيه: «قال رجلٌ لامرأته: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فسليها عني، أنا من شيعتكم، أو لست من شيعتكم؟ فسألتها، فقالت (عليها السلام): قولي له: إنْ كنتَ تعمل بما أمرناك، وتنتهي عما زجرناك عنه فأنت من شيعتنا، وإلَّا فلا. فرجعت، فأخبرته، فقال: يا ويلي، ومن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذن خالدٌ في النار، فإنَّ من ليس من شيعتهم فهو خالدٌ في النار. فرجعت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال لها زوجها. فقالت فاطمة (عليها السلام): قولي له: ليس هكذا، [فإنَّ] شيعتنا من خيار أهل الجنّة، وكل محبينا وموالي أوليائنا، ومعادي أعدائنا، والمسلِّم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنّة، ولكن بعد ما يُطهَّرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا، أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنّم بعذابها إلى أنْ نستنقذهم بحبنا منها، وننقلهم إلى حضرتنا» [تفسير العسكري ص٣٠٨]. إلى غير ذلك مما ورد عنها (عليها السلام) في مجال العقيدة.
والنتيجة النهائيّة من جميع ذلك، أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) كان لها جملةٌ وافرةٌ من الإسهامات في مجال تثبيت العقيدة، كما بيناه تفصيلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق